أفكار ومواقف

ليس عن عادل إمام

رغم زحمة التطورات والوقائع السورية التي تغلق على المرء مفاتيح ذهنه لفهم عقلية الطغاة الانتحارية، وتحول دون إفلاته من هول المشاهد التي تملأ شاشات التلفزيون على مدار الساعة، فإنه لا يود أن يفوته التعقيب على مسألة تبدو قليلة الأهمية وسط هذا الفيض المتلاطم من المتغيرات التي تقطع الأنفاس، وأعني بذلك الحكم الصادر بحق الفنان المصري ذائع الصيت عادل إمام، بجريرة استهزائه بالإسلام، وإهانته لذوي الجلابيب القصيرة وذوات النقاب.
وكان من الممكن للمراقب المنصف أن يمر مرور الكرام على مثل هذا الحكم الابتدائي الصادر بحق فنان أمتع الملايين لعقود طويلة خلت، وسحب منهم الضحكة برشاقة واقتدار حتى الأمس القريب، لو أن هذه الواقعة الإنذارية الكيدية لم تأت في سياق أشمل، ولم تجر في مجال دشنت فيه طيور الظلام سلسلة من الهجمات الكيفية المتفرقة، ضد حرية التفكير والإبداع والرياضة والسينما والنساء، وراحت تنذر بشن حرب كراهية ضروس ضد التراث والفنون والآداب وتقاليد التسامح في الإسلام.
ومع أن مثل هذه السوابق ما تزال حكراً على الحالة المصرية، منذ أن تمكن الأصوليون من سرقة الثورة، ولو إلى حين، وتسيدوا منابر الكلام والبرلمان، إلا أن تكرارها وتراكمها على هذا النحو، بات يخاطب كل الذين هللوا لتفتح الربيع العربي، واستبشروا بعهد جديد من الحرية والتفتح والتنوع في عموم ديار العرب التواقة للخلاص من النظم الشمولية والرؤى الأحادية والاستبداد والفساد، خصوصاً بعد أن عاود القادمون لتوهم من القرون الوسطى إنتاج محاكم التفتيش بطبعة جديدة، وراحوا يمارسون الإرهاب الفكري على رؤوس الأشهاد.
ذلك أن الأمر لا يتعلق بفنان من وزن عادل إمام انتزع لنفسه لقب الزعيم عن جدارة واستحقاق، ولا يتوقف عند أديب ذي قامة باسقة مثل نجيب محفوظ نال جائزة نوبل وحده بين الروائيين العرب، ولا يتصل بسيل من الفتاوى التي تثير الشفقة والاستهزاء، وإنما بات يخص مفهوم الحرية ذاته، وحق الناس في المفاضلة والاختيار، وأحكام المعاملات لا فقه العبادات، بل ويمس صورة الإسلام نفسه والعرب، الذين جرى تنميط هويتهم الحضارية كقوم من الإرهابيين المهووسين بحب المال والدماء والفساد والنساء.
ولعل أسوأ ما في هذه العوارض الجانبية المتراكمة على هوامش ثورة شعبية تأسيسية غيرت وجه الشرق الأوسط، أنها تقدم ذخيرة مجانية لأعداء الربيع الديمقراطي، وتمنح المتشككين أصلاً بمآلات ثورة الملايين العرب كل ما يحتاجه هؤلاء من ذرائع مواتية وأسلحة شديدة المضاء، لتشديد النكير وصرف التهم وبث الريب، وفوق ذلك كله القول إن من قاموا بهذه المغامرات الطائشة مجرد نفر من المتآمرين، وإننا سوف نشتاق مبكراً، ونترحم كثيراً، على أيام حسني مبارك وعلي عبدالله صالح ومعمر القذافي وغيرهم من المستبدين الكبار.
إذن، فنحن لا ندافع عن عادل إمام، مع أنه يستحق التضامن والإسناد، ولا ننجر إلى السجال مع من يدعو إلى ستر عورة التماثيل، ويناهض السياحة الشاطئية وكرة القدم، ويرفع الأذان في البرلمان، وإنما ندافع عن حق الناس في الاختلاف، ونبدي مخاوفنا المشروعة إزاء موجة تطرف عكرة تطال الحريات، وتفتئت على خيارات الأفراد، وتعادي التحرر والتنوع والانفتاح، وفوق ذلك كله تغلظ الكلام الآن، وربما الأفعال في مستقبل الأيام، للمثقفين الديمقراطيين المستقلين، وللمرأة وللتقدميين والفنانين والليبراليين، ومن لف لفنا عن جماعات وأطياف لديها الشجاعة الأدبية على مقارعة سيوف طيور الظلام هؤلاء بالكلام وحده، وبالاعتراض سلمياً ضد كل لون من ألوان الإكراه.

[email protected]

تعليق واحد

  1. لا ادري ما تعني لهم الديمقراطية سراق الثورات
    تحياتي الى الكاتب فعلا سواء كنت مع او ضد هذا الراي او ذلك ولكن يجب ان يعبر الجميع عن رايه بكل حرية مع احترام الاخرين ابدعت فيما كتبت ومن افضل الاقتباسات التي احب (( لا اتفق معك ولكني مستعد للموت دفاعاً عن حقك في التعبير عن رأيك ))

  2. عادل امام !!!!!!!
    شكرا على هذا المقال .
    انا برأي بيستاهل عادل امام الحبس 3 شهور لأنه أستهزء وهده ليست حرية تعبير لأنه أستهزء وأهان فيجب عليه الأحترام وليس كل شيء بنسبة لــه ضحك وغيره ومن هاذا عادل امام؟؟؟عالم !هو شخص بيعمل وبيصدر كلآم حتى يضحك الناس عليه
    وانت كاتب هنا في هذا المقال وانما ندافع على حق الناس في الأختلآف ((هذا ليس اختلآف في الرأي لآنك انت كتبت في السطور الأولى استهزء واهان الجلباب والنقاب
    وشكرا لك

  3. اين الابداع في فن عادل امام؟
    الكاتب العزيز اسالك بالله ماذا قدم عادل امام لحضارة العرب والله لست اخوانيا ولا سلفيا ولكن احب ان ننزل الناس منازلهم الحقيقيه

انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock