أفكار ومواقف

ليس لدى الرزاز من يكاتبه

لشديد الأسف فإن الإدارة الرشيدة للأزمات ليست جذابة ولا إعلامية، وينطبق ذلك بالتأكيد على مواجهة الوباء، وإن كان مطلوبا مواجهة الهلع والسلبية والإحباط؛ فإن رفع المعنويات ليس عمليات تعبئة وحشد، فالدولة والمجتمعات ليست في معركة يدافع فيها الناس ثم ينتصرون أو يستشهدون! لكننا في عملية تنظيم اجتماعي طويلة ومعقدة ومليئة بالتفاصيل والخبرات، يحتاج فيها الناس إلى المهارات والمعرفة أكثر من التحفيز المعنوي العام أو استحضار الطاقات الإيجابية والتخلص من السلبية، فهذه مهارات لا تختلف عن مهارات ببغاء جميل ومدرب يتحدث ويكرر الكلام ويسلي أهل البيت والضيوف في الظروف العادية، لكن عندما يقترب منه قط يصرخ بصوته الأصلي الأجش وينسى كل ما تعلمه.
ليس مطلوبا اجتراح المعجزات ولا أن تفعل الحكومة والمؤسسات والمجتمعات فوق طاقتها أو تقدم ما ليس ممكنا أو موجودا، لكن لدينا الكثير مما يمكن عمله وتطبيقه ضمن إمكانياتنا وظروفنا، .. العزل في الفنادق بالنسبة للقادمين لا يمكن أن يدوم أكثر من 24 ساعة ثم ينقل المصابون إلى المراكز الطبية، وينتقل الآخرون إلى بيوتهم ويتعهدون بالالتزام بالحجر الصحي الذاتي، لأنه يستحيل أن تستوعب الفنادق جميع العائدين إلى الوطن، وسيكون مكلفا بلا حاجة لذلك إقامة الناس في الفنادق.
يفترض أن جميع المواطنين بلا استثناء دخلوا في عمليات عزل ووقاية ذاتية، ويمكن هنا تقديم الخبرات والمعارف والمهارات من خلال وسائل الإعلام. ويمكن أيضا تفعيل العيادات والمراكز الصحية في كل مكان وحشد الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الصحي لمواجهة الحالات والتواصل مع المواطنين واستقبالهم وخدمتهم، وليس مطلوبا أن تقتصر عمليات الخدمة والمواجهة على المستشفيات، ويحدد الأطباء والعاملون في العيادات والمؤسسات الحالات التي تحتاج إلى خدمة اكثر تعقيدا أو تحويلا إلى المستشفيات. ويمكن أن تتعاون جميع المؤسسات الطبية والعلاجية، وتخصص جزءا كافيا من فضائها وفريقها لإدارة الأزمة.
يجب الإشارة بإيجابية وتقدير عظيم لما فعلته وزارة الصحة على رأسها الوزير الدكتور سعد جابر، وهيئة الغذاء والدواء وعلى رأسها المدير الدكتور هايل عبيدات، فقد أمكن توفير وطرح كميات كافية من الأدوية والمنظفات في الأسواق بأسعار مناسبة، وربما تفوقنا في ذلك على معظم إن لم يكن جميع دول العالم.
الحال أن الإعلام ليس حلا لأزمة؛ أي أزمة.. وليست الحلول الإعلامية التي تجتذب مسؤولين وناشطين وكثيرا من الناس سوى مهرجان للتسلية أو حث الهمة، وهؤلاء الذين يصدقون أن للإعلام أكثر من ذلك يظلون في المهرجان بعد أن ينتهي ويعود الناس إلى بيوتهم وأعمالهم مثل بالونات هيليوم بديعة تحلق في الفضاء، لكنها ما تلبث أن تختفي ولا تعود أبدا إلى الأرض، فالتوعية والإرشاد والخدمات المعلوماتية المفترض أن يقدمها الإعلام هي أعمال مؤسسية ومعرفية نواجه قسوتها ومللها بقدر من التحفيز والجاذبية.. لكنها إضافات لا تختلف عن البهارات والتوابل التي تضاف إلى الطعام، هي ليست طعاما، لكنها تجعل الطعام متقبلا.
تنتشر الأمراض ونمرض ويشفى معظمنا ويموت قليل من المرضى كما يحدث في كل الأمراض والظروف الصحية، ويموت كل يوم بشر كثير بسبب السرطان والأزمات القلبية والانفلونزا والملاريا والكوليرا.. ولا تنهض الرعاية الصحية في يوم وليلة. هي تواجه تحديات ابتداء. لكن الناس وعلى مدى القرن الماضي استطاعوا بالنظافة والتغذية الجيدة تجنب المرض واطالة أعمارهم وتحسين حياتهم أفضل بكثير مما فعلته الأدوية والرعاية الصحية.
وبقدر ما هو مرفوض نشر الهلع والخوف فإن المبالغة في “الإيجابية” تفعل الشيء نفسه، ومعظم ما يمكن فعله ليس سوى إجراءات السلامة والوقاية وتغيير أسلوب الحياة.. والباقي على الله.
[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock