أفكار ومواقف

ليل المرأة الغريبة!

أول من أمس؛ لم أنم من صراخها.


كان جاري يضرب زوجته!


..


الوقت قريب من الحادية عشرة ليلا: أصوات صاخبة، ونقاش حاد. وبسرعة تطور الأمر إلى صوت قطع أثاث تتطاير، والمرأة تركض في البيت الضيق، وشتائمه وزعيقه يلاحقانها!


بهتُّ لدقائق؛ فهذا البيت هادئ جداً، وجاري لم أسمع صوته مرة واحدة قبل ذلك؛ حتى حين طرقت بابه مرة أنبهه أنه نسي المفتاح في الباب، اكتفى بالتمتمة من دون أن يبتسم!


وهو شاب ممتلئ، قوي البنية، أراه كل جمعة وهو متجه للصلاة، لديه زوجة نحيلة جدا، رأيتها مرة واحدة توصله للباب، ولم أصادفها قطّ خارجة أو داخلةً من بيتها، ويبدو أنها عائلة محافظة جداً، فصغارهما أيضاً لا أكاد أسمع أصواتهم، رغم أنهم يسكنون جميعاً في غرفة واحدة فقط “استوديو”!


حتى إن أطفالهم يتركون أحذيتهم المدرسية على عتبة الباب، ودائماً ما أتأمل بينها حذاء طفلةٍ صغيرة، فأتذكر ابنتي نوّار!



صارت الساعة الثانية عشرة ليلاً: بدأت أسمع بكاء امرأة يُقطّع القلب، عويلاً حزيناً جداً، صوت امرأة تتوسل، تترجىّ الرحمة، صوت امرأة غريبة ليس لها أحد، امرأة تنوح وهي تدرك أن أقرب شخص لها يسكن في قارة ثانية!


كان يلاحقها بقسوة، بفظاظة مسموعة، ويصفعها ويرفسها ويرميها (كما أسمع جيداً) بكل ما يقع تحت يده!



ما تزال المرأة تبكي، و… تركض مفزوعةً، كالفراشة التي يلاحقها جندي مدجج بالهراوات، ونهنهات صوتها المبحوح والمنهك، تُحسسّني أنها تعضّ قلبها، وروحها، وقدميها، وتودّ لو تقفز من الأرض كلها!


كانت تعوي كذئبة شقّها سهمٌ في صدرها، امرأة تتمزّع من ألم خرافيّ، وتتشبّث بيد الله أن تنتشلها … إلى هناك!


..


الساعة الواحدة ليلاً: أسمع طفلةً صغيرةً مفزوعةً تنتحب!


الصغيرة صحت من نومها على الصراخ، أو ربما بفعل قطعة أثاث سقطت فوقها، امتزج بكاء المرأة وطفلتها، مثل طيرين ذبيحين يتقافزان في بِركة دمهما!


لم أعد أطيق!!


الطفلة روحها تتفتت كالسُكّر!


يا الله.. مُدّ يدك للغريبتين اللتين تُذبحان على بعد نصف مترٍ مني!


..


الساعة الثالثة فجرا: اتصلتُ بالشرطة!


قال لي الشرطي المتثائب: اتصل على الرقم كذا، فكتبتُ الرقم سريعاً على علبة الدخان.


.. ترددت!


لو اتصلتُ بالشرطة فقد يسبب ذلك ألماً مضاعفاً لهذه الطفلة (بل وحتى للزوجة!) حين تريانه يقاد إلى السجن!


قلتُ سأنتظر لغد، وأرى!


بعد قليل صار نواح الطفلة المرعوبة أقرب، كأنه في غرفتي!


التفتُ فإذا بها في “البلكونة”، تتشبث بكفّ متشنجة بالشبك الحديدي، وبكفّها الأخرى تغطّي وجهها الممتقع، كأنما جفّ الدم فيه تماماً!!



سمعتُ المرأة تفتح باب بيتها، لكنه لاحقها ومنعها من الهرب، وخُيّل لي أنه جرّها من شعرها..


هربتُ أنا أيضاً من الصالة، دخلتُ غرفتي، أغلقتُ الباب، حاولتُ بقرارٍ بشعٍ جداً أن لا أسمع شيئاً.


..


الرابعة فجراً: يبدو أن الذبيحتين انهكتا، لم أعد أسمع غير النهنهات. و.. نمتُ!


..


السابعة والنصف صباحاً: صحوتُ على صوت طفلةٍ تضحكُ بصخبٍ في الشرفة، أسرعتُ أطلّ عليها، كانت كشمسٍ صغيرةٍ تضحك… فبكيتُ!


وخرجتُ بعد قليل، فشممتُ على باب بيتها رائحة طبخٍ شهيّ جداً، والممرّ مكتظٌّ بالطيبة!



يا الهي؛ كيف ابتلعت الامرأتان مرارة كل هذا الليل!

تعليق واحد

  1. ما أروع تناولك للواقع
    تابعت كثيراً من مقالاتك فابهرني طريقة تناولك وسردك لواقعنا بأسلوب مشوق ورائع أتمنى لك الاستمرار بكتاباتك..

  2. الا ان القلب يحل الما فيه !!!
    اه يا استاذ ابراهيم…
    فعلا الانثى مخلوق غريب تنسى الهموم والالم الا ان القلب يحل الما فيه ..
    سلمت يداك يا عزيزي…

  3. بدون تعليق
    اوجعت قلوبنا استاذي العزيز على هذه المرأة وطفلتها ،وفتحت لنا جرحنا يئن دوما على اوضاع نساء لا نعرفهن ولا نسمع عنهن ، ولا يعرفن هن ايضا ما هي حقوقهن… مبدع دوما

  4. معاناة امرأة
    هل يحاول الكاتب أن يبكينا أم ماذا، فمقالتك أدمت قلبي لأنها تحدث في كل مكان ومع الكثير من النساء، والمصيبة أن المرأة بعد هذا كله تبتلع مرارة الألم و(تغفر)!

  5. يا صبرك
    يا صبرك يا رجال كيف قدرت تسكت كل هالوقت؟!!!!!!

    هاي سلبية ما بعدها سلبية ما فيها ريحة الحكمة.

    انا لو مكانك ما كنت صبرت نص ساعة لو فيها قطع راس. وهذا أنا معتبر حالي غير اجتماعي وعند بعد السلبية في التعامل مع الجيران.

    مستحيل أسمع صوت طفل يبكي وما اتحرك اطمن عليه؛ مستحيل!

    والله إنك نرفزتني وأنا بعتبر حالي بارد ما في إشي ممكن يصير يحركني……..

  6. يجب ان تتعود المرأة الدفاع عن نفسها
    هنالك 3 انواع من السمك ..الكبير المتوسط والصغير ..فالسمك الكبير ياكل السمك المتوسط ..,السمك المتوسط يأكل السمك الصغير ..فهذا الوغد يقضي معطم وفته اثناء عمله وهو يتلقى الضربات من مرؤوسيه وزملائه ولا يقوى على الدفاع عن نفسه..فعندما يذهب الى بيته فانه يستعرض عضلاته على من هم اضعف منه ، وعادة تكون الزوجه وأولاده..مادامت المراة تتحمل اوجاع الولادة ، وتكررها عدة مرات ـ فانها تتحمل ضربات زوجها ..ولكن هذا العمل السادي يجعل منه وحشاشرسا امام زوجته ام اولاده .يخافونه ولكن لا يحترموه ، وكون المرأة العنصر الضعيف فعادة تكون هي الضحية ..لقد علمت ابنتي الا تعتدي على احد ، ولكن اذا اعتدى عليها احد بالضرب فعليها ان تضع انوثتها على الرف وتدافع عن نفسها حتى لو اضطرت بان تستعين باي شيء امامها لتنقذ نفسها
    يجب المراة الدفاع عن نفسهاحتى لو ردت الضربات الى زوجهاـ وتضربه حتى توجعه لئلا يعيدها ثانية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock