فكر وأديان

ليّ أعناق الآيات

د. هاشم غرايبة

قال تعالى في الآية 55 من سورة المائدة: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ”.
الولاية المعنية في هذه الآية تأتي من الولاء، ويقول ابن كثير أنها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، حين تبرأ من حلف يهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى في الآية التي تليها: “وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” .
تأويل الآيات أمر اختص به الله تعالى، لأنه يعني اسقاط المعنى على الواقع، وبما أن القرآن قديم، لذلك فالتأويل يعني علما بالغيب قبل حدوثه، وهذا لا ينبغي لأحد من البشر.
لذلك يلجأ بعض ذوي الإربة والغرض الى ليّ أعناق الآيات لتوافق الهوى، وهو أمر منهي عنه.
إن من خالفوا الجماعة وقالوا بعدم صحة إيلاء أمر المسلمين لغير آل البيت، لم يجدوا سندا شرعيا لدعواهم هذه، فما كان لهم من سبيل إلا لي أعناق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية .
من الأمثلة المشهورة على ذلك، هو تأويل هذه الآية، بحيث يستنبط منها أن الولاية المقصودة ليست الولاء (والذي هو المعنى الواضح بلا لبس)، بل هي تولية الحكم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما لم يكن في هذه الآيات تخصيص لشخص بعينه، لذا قالوا إن الإشارة إليه جاءت بصيغة “الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون”، وأنه المعنيُّ بها، حيث أنه بزعمهم جاءه سائل يوما يطلب الصدقة، وكان يصلي فمد اصبعه الذي يلبس فيه خاتما للسائل أثناء ركوعه فسحب منه السائل الخاتم ومضى به.
هذه القصة يظهر فيها أنها خيالية نسجت لغرض المطابقة، وحتى لو صحت لما جاز أن تكون تأويلا للآية، بدلالة ما يلي:
1 – كان عليا رضي الله عنه من أتقى الناس، وإذا دخل في الصلاة لا ينصرف ذهنه الى أي شيء خارجها ، لذلك من المستبعد أنه كان ينصت الى طلب المتسول الذي جاء يطلب من الزكاة (وليس صدقة) فخلع خاتمه (كما يدّعون) وناوله للمتسول وهو راكع.
2 – أنه كان بإمكانه رفع صوته في الصلاة لتنبيه من حوله للإنتظار الى حين التسليم ولا يقطع صلاته فيبطلها، فالأمر ليس فيه خطورة وبإمكان السائل أن ينتظر، سيما وأن المصلي المسؤول معروف بعظم القدر وعلو المكانة، وأما السائل فهو يملك الوقت الطويل، وليس وراءه أمر هام يشغله حتى يستعجل المصلي ويقطع عليه صلاته.
3 – الزكاة هي غير الصدقة، ولو أن الله قصد الصدقات لذكرها بمسماها، ويخرجها المسلم في وقت محدد ولا يبقي المال المخرج في بيته الى وقت متأخر فكيف بمن كان من الأتقياء ..هل كان سينتظر مجيء السائلين لطلبها؟.
4 – الزكاة فريضة والصدقة نافلة، لذلك إعطاء الخاتم (لو صحّ) فهو صدقة، ولا ينطبق عليها قوله تعالى وهم راكعون.
5 – إن الخاتم ليس من عروض التجارة ولا هو مال مكنوز يبلغ قيمة النصاب، ولا يمكن لمن هو في مقام سيدنا علي أن تكون أصابعه مملوءة خواتم ذهب حتى تستحق نصاب الزكاة.
6 – الأمر الأخير هو أنه لا يمكن أن يكون تفسير الآية بأن يؤدي المرء زكاته خلال وقت الركوع، بل الأصح أن ” راكعون” هي دلالة بلاغية بإطلاق البعض على الكل أي أن الراكعين هي دلالة على المصلين، والمصلون هم مؤمنون حتما، لذا فإن الركوع هنا لا يمكن أن يكون المقصود به ذلك الركن من أركان الصلاة، ولو كان المقصود هو المعنى المباشر لوجب أن تؤدى الزكاة خلال وقت الركوع تحديدا، وبما أن ذلك غير وارد لأنه لا يجوز الإنشغال بأي شيء ( ولا حتى بقراءة القرآن) أثناء الصلاة، لذا فإن المقصود هو الخضوع لأمر الله والإستجابة لما فرضه بامتثال تام يماثل خضوع الراكع.
جاء الإسلام لينزع الرواسب الجاهلية وفي مقدمتها العصبية العشائرية، لذلك لم ينشغل الصحابة الكرام بمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما شغلهم هو من يوحد الأمة ويلم الصفوف المتعددة التي ألف بين قلوبها بالإيمان، وقد كانت بعض النفوس حديثة العهد به مثل الطلقاء المكيين وبعض من يخفون نفاقهم من المدنيين.
من انشغل بأمور السلطة هم من كانوا بعيدين عن التأثر بالمدرسة النبوية التي ألغت طبقة الأشراف، فالقيمة للعمل لا للنسب، فما كان من وسيلة لمن أرادوا تقسيم الأمة شيعا، إلا اختراق هذا المبدأ.
ولما لم يكن من أساس شرعي لدعواهم، فيلجأون للتأويل ولي أعناق الآيات والأحاديث.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock