ترجمات

مؤتمر آخر حول ليبيا؟ طبقوا حظر توريد الأسلحة بدلاً عنه

بين فيشمان* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 9/9/2019

الآن، بعد مرور خمسة أشهر على بدء الفصل الجديد من الحرب الأهلية في ليبيا، ما تزال أعمال العنف جارية بلا هوادة هناك. ومنذ أن أطلق خليفة حفتر هجومه على طرابلس في نيسان (أبريل)، أسفر الاقتتال عن مصرع أكثر من 1.100 شخص وتسبب في تشريد أكثر من 100 ألف آخرين. وتطورت طبيعة الاشتباك من هجوم بري في أغلبه إلى واحد يعتمد على الضربات الجوية التي تنفذها مجموعة من الطائرات الليبية القديمة والطائرات المستوردة من دون طيار.
ولكن، بدلاً من تقليل الأضرار الجانبية، يغلب أن تكون المسيّرات مسؤولة عن الهجمات التي تتسبب بإصابات جماعية في صفوف المدنيين. ويبدو أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو العودة إلى المفاوضات السياسية بين “حكومة الوفاق الوطني” المعترف بها دولياً و”الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر أصبحا أكثر استحالة من أي وقت مضى، على الرغم من النداءات المتكررة من المجتمع الدولي التي تدعو إلى إحلال السلام.
في الاجتماع الأخير للسبعة الكبار، أعلن قادة المجموعة عن دعمهم لـ”وقف طويل الأمد لإطلاق النار” في ليبيا وضرورة التوصل إلى “حل سياسي” للأزمة. وقد أصبحت مثل هذه التصريحات الدولية الروتينية مفرعة من المضمون وخالية من المعنى. كما أن التقليد القديم القائم على عقد المؤتمرات الدولية بهدف تحفيز محادثات السلام لا يضيف الكثير. وكان البيان الصادر عن مجموعة الدول السبع بقيادة فرنسا قد حثّ على عقد “مؤتمر دولي آخر محضر له جيداً والذي يجمع كافة أصحاب المصلحة والأطراف الإقليمية ذات الصلة بالنزاع”. وكرّر وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، الدعوة إلى عقد مثل هذا المؤتمر في خطاب له يوم 29 آب(أغسطس).
من الجدير تذكر أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استضاف منذ انتخابه رئيساً في العام 2017 مؤتمرين من هذا النوع حول ليبيا -قبل اندلاع الموجة الأخيرة من العنف الأهلي. وقد فشل النهج الفرنسي تجاه ليبيا، الذي ضم حفتر باعتباره لاعباً سياسياً أساسياً يجب اشتماله في الساحة السياسية. ولن يؤدي عقد مؤتمر دولي آخر قائم على الاستراتيجية نفسها، سواء في باريس أو في إطار الاجتماعات المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى أكثر من تكرار الوعود الفارغة نفسها. وحتى يحقق أي مؤتمر نتيجة ملموسة، فإنه يجب أن يركّز على التعامل مع أحد الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية الأخيرة: قيام أطراف خارجية بتسليح طرفي النزاع في انتهاك فاضح لحظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن منذ فترة طويلة على ليبيا.
وكان مجلس الأمن قد فرض الحظر على توريد الأسلحة إلى ليبيا في إطار تدخله هناك العام 2011. وبقي تأثير قرار الحظر محفوظاً على الورق فقط، مع غياب أي آلية تنفيذ للتحقق من السفن أو الرحلات الجوية التي تنقل شحنات أسلحة محتملة. والأسوأ أن هذا يحصل في وضح النهار حيث يتمّ إنزال العربات المصفحة على أرصفة الموانئ، وتحلّق الطائرات المسيرة القادمة بوضوح من الخارج في سماء البلد بلا توقف. ومع استمرار الأعمال القتالية، يعتمد كل طرف على المزودين الخارجيين لتزويدة بالأسلحة والأنظمة دائمة التطور حتى يستطيع مضاهاة الطرف الآخر.
في أواخر تموز (يوليو)، صرّح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، أمام مجلس الأمن بأنه: “قد تمّ مؤخراً نقل طائرات مسيّرة مسلحة وعربات مصفحة وشاحنات نقل صغيرة محملة بالأسلحة الثقيلة والمدافع الرشاشة والبنادق الآلية وقذائف الهاون والصواريخ إلى ليبيا بتواطؤ مع حكومات أجنبية وبدعمهلاا الواضح”.
يقال إن تركيا -التي لم تنْضمّ إلى التوافق الدولي الداعي إلى وقف إطلاق النار في البلد- زوّدت “حكومة الوفاق الوطني” بعربات مصفحة وطائرات مسيّرة. وتدّعي دولة الإمارات العربية المتحدة على الملأ بأنها تدعم وقفاً لإطلاق النار، لكنها دعمت قوات حفتر كل الوقت من خلال بناء قاعدة جوية عسكرية في شرق ليبيا وتزويد “الجيش الوطني الليبي” بمسيّرات صينية الصنع، إلى جانب عربات مصفحة ومعدات إضافية.
ومن جهتها، قامت فرنسا التي كشفت عن دعمها لحفتر في العام 2016 عندما لقي ثلاثة عناصر من القوات الخاصة الفرنسية حتفهم في تحطم مروحية في بنغازي، بإرسال قواتها مؤخراً لمرافقة “الجيش الوطني الليبي” في هجومه على طرابلس. وتم الكشف عن وجود تلك القوات لدى اكتشاف صواريخ “جافلين” الفرنسية المضادة للدبابات بعد أن قامت قوات “حكومة الوفاق الوطني” بطرد “الجيش الوطني الليبي” من مدينة غريان الاستراتيجية. وبررت فرنسا وجود صواريخ “جافلين” أميركية الأصل بحماية قواتها، معترفة بأنها نشرت قوات لمساعدة حفتر. ومع ذلك، دعت فرنسا باستمرار إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات السياسية -على الأقل تسع مرات منذ هجوم حفتر- بأشكال مختلفة.
سوف يكون عقد مؤتمر آخر حول ليبيا سبباً لإدامة الجمود السياسي، ما لم يعالج بشكل ملموس مسألة استيراد الأسلحة بطريقة غير قانونية. ويؤدي هذا الوضع إلى عدم توصل أي من الطرفين المتنازعين حتى الآن إلى النقطة التي يفضل فيها التسوية السياسية على استمرار الحرب، خاصة بالنظر إلى الانقسام المتنامي في البلاد. ولذلك، تتمثل الطريقة الوحيدة لتغيير الموقف إزاء إمكانية استئناف المفاوضات السياسية في البدء باستنزاف مصدر الأسلحة والمعدات الخاصة بكل طرف.
سوف تكون واشنطن هي المرشح الأفضل لقيادة مثل هذه المبادرة. وبعد أن وافقت كل من مصر وفرنسا والإمارات على “وقف شحنات الأسلحة المزعزعة للاستقرار” إلى ليبيا في 16 تموز (يوليو)، يتعين على الولايات المتحدة دعوة هذه الدول إلى الوفاء بهذا الالتزام وإلى مناقشة إعداد آلية لفرض حظر توريد الأسلحة فعلياً. وفي حال وافقت هذه الدول الحليفة على ذلك، فإنه سوف يؤدي إلى عزل تركيا ويعرّض هذه الدول إلى حظر إمدادات الأسلحة بطريقة قد لا تناسبها، علماً بأن آلية تطبيق محدودة لن تتطلب فريق تفتيش دولي كبير على الأرض أو نشر قوات بحرية.
كبداية، يمكن للولايات المتحدة أن تقدم تحليلاً علنياً للصور يكشف استخدام أي من الطرفين لطائرات مسلحة بدون طيار. ومن شأن تجريد حفتر من قدرته على تنفيذ هجمات جوية أن يحد بشكل كبير من قدرته على مواصلة الهجوم في الغرب. كما أن من شأن منع الشحنات التركية أن يقلل قدرة قوات “حكومة الوفاق الوطني” على إعادة التسلح.
ما تزال تزال “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” هي الجهة الأفضل للدعوة إلى حوار سياسي متجدد ومحسّن بين الليبيين كافة، وليس فقط طرفي النزاع. ولكن، من دون دعم المجتمع الدولي والجهود الحثيثة لمنع الطائرات من دون طيار من التحليق ووقف إمدادات الأسلحة، تتمتع الأمم المتحدة بنفوذ ضئيل لتجديد محادثات السلام ومساعدة عملية الانتقال السياسي المتوقفة في ليبيا منذ فترة طويلة.

*زميل رفيع في معهد واشنطن. عمل في “مجلس الأمن القومي” الأميركي في الفترة بين 2009 و2013، وكان من بين مناصبه إدارة شؤون شمال إفريقيا والأردن.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock