أفكار ومواقف

مؤسسة مجلس النواب والفكر الإصلاحي


هنالك علاقة حقيقية وغير قابلة للتغيير أو التلاعب بين الفكر الإصلاحي وقوة المؤسسات الدستورية، وتحديدا المؤسسة الديمقراطية الأم، مجلس النواب. وهنا لا نخلط بين أداء الأفراد في أي مجلس وبين المؤسسة، لأن الأفراد في الحكومات ومجالس النواب متغيرون.


فكل صاحب سعي جاد للإصلاح لا يقبل تغييبا لمجلس النواب وإخراجه من إدارة شؤون الدولة، إلا إذا كان الأمر ضمن سياق عملية سياسية محددة المدة الزمنية، وتهدف إلى تقوية المؤسسة من خلال إصلاح القانون أو أي مسار لا يقبل التأويل. وهذا الأمر يستدعي أن نتحدث عن انتخابات مبكرة وخطوات محددة، لا أن يكون الحل هدفا بحد ذاته، أو انتصارا سياسيا لطرف. فالفرق كبير بين خطوات نرى في نهايتها تقوية المؤسسة، وبين أن تتحول مؤسسة المجلس إلى “حيط واطي” للبعض، أو أن نجعل من المطالبة بتسريحه على قاعدة أنه جزء من الشد بين الدولة والمعارضة.


وأي إصلاحي حقيقي يجب أن يعمل على استمرارية عمل المجالس من دون تغييب. ولهذا نسمع من البعض مطالبة بأن يكون عمل المجلس ليس منقطعا خلال العام. وهذا لا بد أن يتبعه عمل ضد أي فكر أو مسار يجعل الدولة تعيش من دون سلطة دستورية ديمقراطية، وإلا كان هناك تناقض في مطالبنا وخطابنا.


وحتى لو مرّ علينا مجلس لا يرضى الناس عن أدائه، فإن الحل ليس أن نطالب بتسريحه من دون أن نمتلك مسارا وطنيا يضمن الوصول إلى مجلس أقوى، وأن يبقى المجلس قائما حتى نبدأ بعملية إنتاج المجلس الجديد.


ومن ينتقد تغول الحكومات أو إصدارها لقوانين مؤقتة، فإن عليه أن لا يرضى أن تعيش البلاد من دون مجلس نواب، حتى لو كان في الأمر مصلحة ذاتية. ومن يتحدث عن فصل السلطات عليه أن لا يرضى أن تعيش الدولة بلا إحدى السلطات، حتى لو كانت في أدائها تحتاج إلى معالجة وتقوية.


فرق كبير بين مجلس بلا شرعية بسبب طريقة انتخابه ويتم السعي لاستبداله بمجلس يتم انتخابه بشكل نزيه، وبين مجلس يأتي عبر قانون لا يرضى عنه البعض أو حتى كثير من الجهات، لأن عدم الرضى عن القانون ليس إخلالا بشرعية المجلس.


ما نسير نحوه اليوم عملية إصلاح سياسي من ضمنها قانون الانتخاب. وبعد أن ننتهي من هذا المسار ونتوافق على التشريعات ويتم إقرارها، يكون من الممكن التفكير بانتخابات مبكرة قد تكون وقد لا تكون، أما حل المجلس اليوم وإبقاء البلاد بلا سلطة تشريعية فليس تفكيرا إصلاحيا، بغض النظر عن تقييم أداء المجلس وتقييمنا جميعا لإمكانية تجاوز المجلس لنقاط الضعف. فالمجلس مؤسسة دستورية شرعية وضرورية لإقرار التشريعات الإصلاحية، إلا إذا كان من الإصلاح أن نسرح المجلس وأن نقرّ كل التشريعات الإصلاحية بقوانين مؤقتة ونغمض عيوننا عما ننتقده من إصدار هذه القوانين المؤقتة.


الفكر الإصلاحي لا يختلف عن القيم والأخلاق، ولا تجوز معه الممارسة الانتقائية. والمعايير المختلفة في التعامل مع ذات القضايا تفقد أي جهة مصداقيتها الإصلاحية. فالمجلس السابق رغم كل ما لاحقه من شبهات الشرعية والنزاهة، لم نجد ذلك الحماس من البعض ولم تقم حملات ضده ولم يكن حل المجلس مطلبا وشرطا.


ما سبق دفاع عن المؤسسة والفكر الإصلاحي، وعندما ننهي وضع التشريعات يكون النقاش لبقاء المجلس من زاوية أخرى، وليس كما يحدث اليوم.


[email protected]

تعليق واحد

  1. نعم .وألف نعم لما قاله المستشار
    أجد نفسي اليوم اوافق ما قاله المستشارالكبير سميح المعايطة ..لسبب واحد ان الشعب قال كلمته في الشارع الأردني .وجلالة الملك المعظم قد استجاب للكثير من متطلبات الشعب ..ونوابنا قد لمسوا أن هنالك شبه ثورة ضد الفساد والمحسوبية والغش والخداع .والشعب عرف طريقه للشارع .وأخيرا فكثير أن لم يكن معظمهم يودون ترشيح أنفسهم للانتخابات القادمة لذلك عليهم تبيض صورهم ، وتغير افكارهم القديمة ، والأنضمام لثورة الشباب . وألا وجدوا انفسهم خارج البرلمان

  2. تحيتي استاذ سميح
    أحييك سيد سميح على هذا المقال الجميل الذي يوضح العلاقة الحقيقية بين الفكر الإصلاحي وقوة المؤسسات الدستورية وعلينا جميعا أن نعطي الوطن مساحة من للتنفس وأخذ الهواء النقي فرئته بدأت تعمل بشكل جيد في وسط هذا الركام الهائل لما نراه حولنا ، علينا جميعا أن نعمل لننهض وينهض الوطن وتنهض مؤسساته الدستورية فنحن نسير إلى الأمام ويجب أن لا نتوقف لأن المستقبل يصل إلينا بسرعة البرق .. حفظ الله الأردن(( كلّه )) مليكه وشعبه وأرضه .

  3. مقال من العيار الثقيل
    اشكر الكاتب الكريم على المضمون الرزين والطرح الفكري البعيد عن السطحية فالفرق كبير بين موقف من اداء شخص ومكانة المؤسسة واغتقد ان هذا الطرح يعمق الفكر القوي المؤمن بالمؤسسية كل الشكر

  4. ارادة الاصلاح غير موجودة
    تقول يا استاذ سميح ما نصه:"فرق كبير بين مجلس بلا شرعية بسبب طريقة انتخابه ويتم السعي لاستبداله بمجلس يتم انتخابه بشكل نزيه، وبين مجلس يأتي عبر قانون لا يرضى عنه البعض أو حتى كثير من الجهات، لأن عدم الرضى عن القانون ليس إخلالا بشرعية المجلس"
    بما ان العبرة بالنتائج فأعتقد انه لا فرق بين المجلسين,فما الفرق بين مجلس ادعى وتفاخر احد مسؤولي العام 2007 بأنه قام بتعيين 85 عضو من اعضائه وبين مجلس منتخب قام بمنح ثقة غير مسبوقة لحكومة تم تسريحها بعد اربعون يوما؟
    مشكلتنا في الاردن تركيزنا على الشكليات وقضاء الوقت الطويل بأيراد الحجة القانونية المؤيدة والحجة القانونية المضادة لنكتشف بعدها ان كلا الحجتين غير دستوريتين.ولنا بنقابة المعلمين خير مثال ,فلغاية قبل شهرين كانت المطالبة بها غير دستورية وتم قمع من يطالب بها اما احالة على التقاعد او النقل التعسفي او الاحالة على الاستيداع ,لتأتي بعدها حكومة تحول الموضوع الى الديوان العالي لتفسير الدستور للنظر في مدى دستورية هذا الامر وتعيد من تم احالتهم على التقاعد والاستيداع والنقل الى عملهم.تركيزنا على هذه الشكليات وقضاءنا وقت طويل في التداول فيها يدل على عدم جديتنا في الاصلاح وأن كل مماراساتنا تنطلق من سياسة "التنفيس وامتصاص الغضب الشعبي ".ارادة الاصلاح ليست موجودة لدى السلطة التنفيذية وليست موجودة لدى مجلس النواب لا الحالي ولا السابق ولا الاسبق ,من يمارس التعسف لسنوات لا يمكن ان يصبح بين ليلة وضحاها مصلح ,الاصلاح بحاجة لوجوه جديدة لها عقليات منفتحة لم تمارس العرفية ,وصدقني يا استاذ سميح بأنه يمكننا ان نكون كالسويد او سويسرا لو توفرت لدينا الارادة الحقيقية للاصلاح.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock