أفكار ومواقف

مؤمنون وكفّار

الجدل الدائر بين المثقفين الأردنيين “المؤيدين للثورة السورية والمعادين لها” يبدو شبيها بالجدل الذي يجري عادة بين الكفار والمؤمنين بخصوص مسألة وجود الله. فكل من  الطرفين ينظر إلى الآخر نظرة استنكار وإشفاق في الوقت ذاته. استنكار للجهل المطبق الذي يرى الطرف الآخر غارقا فيه، كونه، أي الطرف الأول، على يقين لا شك فيه أنه مالك للحقيقة كاملة، وإشفاق عليه بسبب هذا الغرق في الجهل، وهدره لحياته في العبث، سواء في الإيمان أو الكفر، من غير أن يحسب حسابا لعواقب النتائج. 
وبما أن أيا من الطرفين يعجز عن إقناع الآخر بحقيقته، عادة ما ينتهي الجدل إلى مساحة الانتظار: انتظار النهاية التي “حسبما يخيل إليّ” يأمل المؤمن أن يلتقي فيها بالكافر في يوم الحساب ليقول له: أرأيت؟ لقد كنت على حق! أما الكافر، فللأسف لن يحظى بهذه الفرصة، لأن إيمانه بالعدم سيحرمه من افتراض إمكانية للقاء، ليقول فيها للمؤمن: أرأيت؟ لقد كنت أنا الذي على حق!
هكذا بالضبط أرى الجدل الدائر بين المثقفين الأردنيين حول ما يجري في سورية، حتى إن استعجال النتيجة، يظهر أحيانا بصورة كما لو أنه أهم من النتيجة ذاتها ومن عواقبها: “انتظروا -يقول المؤيدون للنظام- وسترون غدا، وهو ليس ببعيد، كيف سيهجم “الناتو” على سورية ويمزقها، أو كيف ستنشب الحرب الأهلية وتفتت سورية!”.
كلما قرأت هذا التوعد والوعيد، أو كلما سمعته، شممت رائحة لرغبة خفية لدى مؤيدي النظام السوري في أن يحدث ذلك بسرعة، ليحظى هذا الطرف بالبرهان القاطع الذي يثبت أنه كان على حق، وأن اتهاماته للطرف الآخر كانت صحيحة، فثبتت الجريمة عليه؛ الجريمة التي يتحمل الطرف الآخر جزءا كبيرا من مسؤوليتها، بدعمه للمؤامرة، وبالقبض من السفارات ثمنا لهذا الدعم، وبالتباكي بدموع التماسيح على الدماء السورية. تثبت الجريمة وتثبت في الوقت ذاته براءة هذا الطرف ونزاهته ووطنيته، فقط لا غير… ولتذهب سورية بعد ذلك إلى الجحيم.
أما الطرف الآخر، المؤيد للثورة، فإنه أيضا يتوعد بانتصار الثورة، مسقطا من حساباته أن هذه الثورة قد تجر على سورية الكوارث. أقول “قد” لأن كل الاحتمالات ممكنة، وليس بوسع أحد يخشى بصدق على مصير سورية (الوطن والشعب) أن ينجر بانفعاله في تأييد الثورة، ويصدق أن الأطراف الداعمة لها من تركيا إلى أميركا معنية فعلا بتحرر المواطن السوري، وبكرامته بل وبدمائه. هذا الطرف أيضا يتوق إلى النهاية: “انتظروا.. فعما قريب ستنتصر الثورة!”.
وأيضا، كلما قرأت أو سمعت هذا التوعد والوعيد حدث لي الأمر ذاته: شممت رائحة خفية لرغبة في استعجال النهاية كي يثبت بالبرهان القاطع أنه كان على حق، وأن الجريمة ثبتت على الطرف الآخر، وأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية هذه الجريمة والدماء التي سفكها النظام، بدعمه وولائه لهذا النظام. ولتذهب سورية بعد ذلك إلى الجحيم.
حينما أتأمل بصمت كلتا النهايتين، يصيبني الرعب، تماما مثلما يصيبني الرعب حينما أتخيل العدم أو الوقوف في حضرة الله.
ما يحدث في الجسم الثقافي الأردني من الانشغال المفرط في الانشقاق والتخوين والعمالة (سواء للنظام السوري أو للإمبريالية والصهيونية والسفارات)، بما ينطوي عليه هذا الانشغال من لغة مقززة في الحوار، يتطاير من مفرداتها المكتوبة أحيانا رذاذ البصاق، هذا الذي يحدث مؤسف حقا، لأنه يجعل من مشهد الطرفين كالمتعاركين في العتمة في غرفة مغلقة، يرقبان، كل عبر نافذته الضيقة، ما يجري في النور بعيدا عنهما، وبمعزل عنهما، فأي من الطرفين في واقع الأمر غير مؤثر فيما يحدث، لأنه لا يمتلك وسائل التأثير: لا الجماهير، ولا الأحزاب ولا الأدوات، ولا لغة للخطاب، ولا رؤية عميقة وثاقبة قادرة على قراءة الواقع العربي الحاضر بموضوعية، بعيدا عن ولاءاته التقليدية: الفكرية والسياسية. وما يحدث في النور، يبدو كعاصفة يصعب البت في طبيعتها، عاصفة تتطاير منها الدماء وتتصارع في داخلها أطراف عدة: النظام السوري والشعب، والأطراف الخارجية، والمندسون، وقوى الأمن، والجيش. ومن أيضا؟ كأنه فعلا يوم الحساب!
عاصفة لا أظن أن هناك من بوسعه الادعاء بمعرفة إلامَ ستؤول نتائجها، وإن وجد من يدعى امتلاك معرفة، فإن هذه المعرفة لا تؤهله في الحقيقة إلا لمناكفة الآخرين، ووعدهم وتوعدهم. وهنا يكمن الخلل، حينما تصبح البوصلة ليست بوصلة الخوف على سورية، الوطن والشعب، وإنما بوصلة أخرى تتجه إبرتها وتتذبذب حسب متطلبات الصراع في المواقف مع طرف آخر صغيريكاد لا يُرى على قارعة طريق الأحداث الكبيرة، يكاد لا يُرى إلا من قبل من كان يحجمه. للأسف، هذا ما أعتقد أنه يحدث في الشارع الثقافي الأردني، في انقسامه ومماحكاته بخصوص الوضع في سورية، حيث بات كل طرف يقرأ الأحداث من الزاوية التي تكفل له زيادة اليقين بيقينه، فيمتلك المزيد من الأدلة التي يدين بها الآخر، ويسجل نقطة في مرمى الآخر، من غير أن تؤرقه رؤية الواقع بفضاءاته الواسعة، كما هو في واقع الحال، بمخاطره وصعوباته وضبابيته.
وهذا الواقع بعواصفه الضبابية، التي تجري في النور، لا يبشر، على الأقل في المستقبل القريب، بالخير. فانتصار النظام السوري وقمعه الدموي للمعارضة، والعودة بسورية إلى ما قبل الثورة، وتحكُّم هذا النظام بها عن طريق القوة والاستبداد والقمع، حتما لن ينهي الصراع. في هذا السياق لا يبدو أن النظام السوري الذي لجأ منذ اليوم الأول إلى القتل والحل الأمني، وما يزال ماضيا في هذا الحل، قادر على تقديم أدلة دامغة تثبت خوفه على سورية الوطن، من العدو الخارجي، أو من الطائفية، أو من تداعيات القمع الذي يمارسه، والذي يخلخل، بل وينسف الأوليات بالنسبة للشعب وللمواطن البسيط المقموع، حينما يصبح العدو الخارجي، ومسألة التحرر الوطني غائبة عن أجندته، ويصبح النظام، هو العدو الوحيد، وتصبح مقولة التحالف مع الشيطان من أجل التخلص من هذا النظام، قابلة للتفكر لديه. ثم إن خيار التدخل الخارجي، يعيد إلى الأذهان فورا النموذج الليبي غير المأسوف عليه، الذي لا يبعث على أي أمل، بل يثير المخاوف من مخاطر دمار سورية وتقسيمها.
أما انتصار الثورة، فهو أيضا مسألة بات يجدر أن ننظر إليها بحذر فيما نحن أوّلاً نرى أن غالبية القوى المشاركة في هذه الانتفاضة من الإسلاميين، سواء الحزبيين أو غير الحزبيين، وثانيا من استحضارنا للنموذجين المصري والتونسي، خصوصا بعد أن رأينا السلفيين الإسلاميين في إحدى الجمعات السابقة في ميدان التحرير في القاهرة، يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وبوضع الدين فوق الدستور. في الحقيقة أصابني الندم لوهلة، وأنا أشاهدهم، وقلت في نفسي “نارك ولا جنة هلي”، أي نار الأنظمة ولا جنة ما يمكن أن تؤول إليه الديمقراطية التي نحلم بها. إذن، كل الطرق لا تؤدي في هذه المرة إلى روما، بل إلى النار. 
قلت إن الندم أصابني وأنا أشاهد السلفيين في ميدان التحرير. بيد أن المرء يندم على شيء فعله، لا على شيء فعله أو أنجزه آخرون. ذلك أن التاريخ يمضي حسب تطور صراعات بين أطراف فاعلة فيه، وليس حسب توقعات النخب وتنظيراتها، أو ندمها أو مناكفاتها وخلافاتها، وسباقها المحموم لتسجيل النقاط، سواء في الانسياق الأعمى خلف الثورة، حتى لو قادت سورية إلى المجهول، أو في مصافحة النظام السوري والإعلان الصريح عن دعمه، حتى لو كانت يدا هذا النظام ملطختين بالدماء، ومستعدتين لدفع سورية إلى الهاوية في سبيل الحفاظ على السلطة.
في انشغال النخب الثقافية واليسارية بصراعاتها ومماحكاتها، إنما تضع نفسها في منأى عن التاريخ واستحقاقاته. المؤسف والمثير للقلق، أن نتائج الصراع الذي تعيشه الشعوب العربية (نتائج الثورات)، وكواحد من احتمالات عدّة، قد لا تؤدي إلى ما هو في صالح المواطن العربي، وأنا أقصد تحديداً المواطن الطامح إلى الحرية والكرامة والعيش في مجتمع مدني، يفصل الدين عن الدولة، ويحترم الآخر، ويكفل الديمقراطية، وحق المساءلة، وينهي إلى الأبد السلطات التي “إلى الأبد”. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، المواطن الطامح للعيش في أوطان مستقلة، غير تابعة للإمبريالية (سياسة واقتصاداً)، أوطان  محررة أو على الأقل تتبنى مشروعا حقيقيا للتحرر الوطني.
يا لها من أحلام كبيرة، يصعب القول إنها في متناول اليد. لهذا يبدو لي هذا المواطن (المسكين، المنسي، المقموع، والمخوّن أحيانا، والمقتول في أحيان أخرى) يبدو وحيدا وتائها في حياته، بل وفي مماته أيضا حينما تذهب دماؤه سدى، فيما نخبه الثقافية واليسارية التي من المفترض أنها تصطف إلى جانبه هو، في معركة يواجه فيها عدوا واحدا بوجوه متعددة: الأنظمة القمعية بالدرجة الأولى، والقوى الخارجية، والإسلام السياسي والطائفية والسلفية وربما أطراف أخرى تغيب عن البال. وإذا كانت النخب الثقافية واليسارية صادقة حقا بقلقها على الوطن والمواطن العربي ومستقبله، وحريته وتحرره، فيجب عليها أن تنأى بنفسها عن كل هذه الاصطفافات. 
إذا كانت هذه النخب عاجزة عن فعل شيء ملموس في هذه المرحلة، لأسباب هي مسؤولة عن بعضها، وأخرى خارجة عن إرادتها، فلتحاول أن تبحث عن الوسائل والأدوات -الفكرية على الأقل- التي تهيئها لأن تكون ضمير هذا المواطن، والصوت الناطق باسم طموحاته في معركته الطويلة والصعبة والدموية، من أجل الحرية والتحرر. صحيح أن مساحة الفعل ضيقة لا تبشر بنتائج فورية وباهرة، لكن الشروع بالفعل الصحيح، وإن كان ضيقا، على الأقل يبشر بجني حصاد ما، على النقيض من المماحكات والمراهنات التي قد تفوز فيها أطراف أخرى ويبقى المواطن العربي هو الخاسر الأول والضحية الأولى.     
 في هذا الصدد أتساءل: ألا تستدعي خطورة المرحلة خروج المثقفين من دائرة الصراعات التافهة؟ ألا تستدعي منهم أيضا إعادة النظر في الخطاب والتوجهات النابعة من فهم مسؤول لتعقيدات المرحلة؟ وأخيرا، وربما هو السؤال الأهم، ألا تفرض المرحلة على جميع نخبها الثقافية (الوطنية) أن تتبنى خطابا نقديا واضحا وصريحا وجريئا لكل مكونات الواقع العربي، السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية؟ في الحقيقة يبدو لي أن نقد الثقافي والديني هو الملحّ في اللحظة الراهنة، لأن صعود الإسلام السياسي، وخاصة بوجهه الظلامي، واتسام الثورات العربية بالطابع الإسلامي، ليس فقط وليد مؤامرات خارجية، كما يطيب للبعض أن يؤكد، فيرتاح ضميره ويركن إلى الصمت، وإنما هو في الأساس وليد تربة راكدة منذ قرون، لا تكف تنتج العقليات ذاتها والسلطات ذاتها، تربة لم يجرؤ إلا القليلون جدا على نبشها أو الاقتراب من حدودها.
بما أن هذه النخب الآن عاجزة عن قيادة الشعب، تاركة الميدان للعشوائية والأحزاب الدينية لتوجيه المركب نحو المجهول، وبما أن هذه النخب عاجزة أيضا عن التصدي للمؤامرات الخارجية، أو ليس من الأحرى بها وبدل التعارك في الظلام أن تحاول إشعال الضوء في هذه العتمة، فيتناهى منها بدل صوت العراك، خطاب نقدي وصريح وجريء، ينبش التربة ومستنقعاتها الراكدة ويساهم في بناء عقل عربي جديد، منفتح ومتحرر، عقل لن يفاجئنا في اليوم الثاني لانتصار ثورته، بعقد صفقات مع الخارج أو برفع شعارات تحيي كل القيود التي ثار في الأمس من أجل التخلص منها.
هي مجرد تساؤلات أطرحها وأنا أراقب (كواحدة من المراقبين) احتدام معركة ربما لن تفضي بنا إلا إلى واحدة من نهايتين: العدم أو الجحيم.

تعليق واحد

  1. الحقيقة ،،،،، ولو كانت مرة
    أحيي جرأتك وأحترم طرحك المنطقي ،،،، مقال أكثر من رائع ،،،، نحن فعلا الآن واقعين بين مطرقة الثورة السلمية النظيفة التي تطالب بالحرية والانعتاق من عبودية الأنظمة الشمولية بقواعدها المتهالكة والآيلة للسقوط وبين سندان التدخل الخارجي والمؤامرة ضد سوريا والتي لا يعنيها الا تجيير انفجار الشعوب ضد أنظمتها ،،، لخدمة مصالحها في المنطقة ،،،،، وركاب الثورات من الأحزاب والقوى الدينية التي لن ننل منها الا مزيد من الرجعية والتخلف ،،

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock