ترجمات

ماتت الأخبار.. عاشت الأخبار! (2-2)

كيفن إم ليرنر* – (بوسطن ريفيو) 10/8/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يغطي مجلد غير سميك صدر العام الماضي، بعنوان “جعل الأخبار شبحية” Ghosting the News، للناقدة الصحفية الممتازة في صحيفة “البوست”، مارغريت سوليفان Margaret Sullivan، العديد من المواضيع نفسها التي تتناولها آشر عندما يتعلق الأمر بفقدان الأخبار المحلية، لكنها تنظر إليها من خلال عيون الصحفي والناقد المتواجد في الخطوط الأمامية. بالنسبة لآشر، التي تكتب من منظور الباحث، فإن “’النوع الكبير‘ من الصحافة مهم لأن المكان هو الوحدة الأساسية للسلطة السياسية في الولايات المتحدة”.
تقدم آشر حجة مقنعة حول الطريقة التي يشكل بها المكان الصحافة اليوم. وقد تم توحيد غرف الأخبار في المدن الليبرالية، وأصبح التعليم الجامعي بالنسبة لمعظمها مؤهلاً إلزاميًا لشغل وظيفة صحفي. وإضافة إلى أن قيادة غرفة الأخبار ما تزال تتولاها أغلبية ساحقة من البيض مع بعض الاستثناءات البارزة، مثل محرر التايمز دين باكيه (Dean Baquet (1 فإن الاختلافات الإقليمية والطبقية تشكل وجهات نظر الصحفيين بشكل لا لبس فيه. وتستهدف الكتابة في صحف مثل “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” القراء الذين يشبهون الصحفيين أنفسهم إلى حد كبير. وفي هذه الظروف، كما تكتب آشر: “سوف تستهدف الصحافة النوعية التي تدعم الديمقراطية أولئك الذين يرون قيمتها؛ أولئك الذين لديهم رأسمال ثقافي كبير، إن لم يكن رأسمال حقيقيا؛ وأولئك الذين ما يزالون يثقون بها (الآن، معظمهم من الديمقراطيين). وعلاوة على ذلك، سيقوم بإنتاج الصحافة النوعية بالضرورة صحفيون يتمتعون بالراحة المالية لمواجهة الصعود والهبوط في صناعة تصبح غير مستقرة باطراد”.
يتجذر تفسير آشر لهذه التغييرات في فكرة المكان، لكن هذا يظل مفهوماً زلقاً. ويأخذ تحليلها القراء عبر التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي دفعت التركيز الجغرافي والاجتماعي والثقافي للمهنة. وهي تكرس فصلاً واحداً من الكتاب للمقابلات التي أجرتها مع صحفيي واشنطن، الذين يتلمسون الطريق لتأدية أدوارهم المزدوجة كممثلين عن صحفهم المحلية، وكأعضاء في نخبة واشنطن المطلعة. ويشرح فصل آخر اقتصاديات الصحف الإقليمية، وكيف تم تدميرها من خلال الإعلانات المستهدفة لتطبيقي “غوغل” و”فيسبوك”. وتجادل بشكل مقنع بأن الدعم الخيري للصحافة الاستقصائية يميل إلى إفادة المؤسسات الإخبارية في الولايات ذات الميول الليبرالية -على الرغم من أن بحثها لم يتمكن من تحديد السبب: ما إذا كان ذلك لأن لدى الولايات الزرقاء بشكل عام ثقة أعلى في الصحافة، أو لأن المؤسسات الإخبارية في الولايات الحمراء لا تسعى إلى التمويل لأنها تخشى أن يُفهم ذلك على أنه أخذ للأموال من النخب الساحلية الليبرالية، أو لسبب آخر مختلف تمامًا. وتوضح آشر أيضًا أن التمويل الخيري لا يلغي المشكلة القديمة المتمثلة في نشر المؤسسات الإخبارية الأخبار التي تدعم القضايا العزيزة على المعلنين. وفي الواقع، فإن الصحفيين الذين ربما يفعلون كل ما في وسعهم لإبعاد أنفسهم علنًا عن تأثير المعلنين، سوف يعملون علناً مع المنظمات الخيرية التي تمولهم، وغالبًا ما يكون ذلك على وجه التحديد لأسباب أثيرة عند التقدميين.
في دراسة حالة حول الكيفية التي انفصل بها المكان عن إنتاج الأخبار، تستكشف آشر صحيفة “نيويورك تايمز”، التي انتقلت من كونها مؤسسة محلية، إلى وطنية إلى عالمية. وعلى الرغم من كونها صحيفة محلية إلى حد كبير، إلا أن التايمز نمت لتصبح ذات نفوذ وطني بحلول أوائل الستينيات، وما تزال تحتفظ بشبكة قوية من المراسلين في دول أخرى غير الولايات المتحدة. وعندما تولت السيطرة الكاملة على صحيفة “إنترناشونال هيرالد تريبيون” في العام 2003، أعادت التايمز تسميتها لأول مرة إلى “نيويورك تايمز الدولية”، ثم دمجتها بالكامل في علامة “نيويورك تايمز” التجارية، وهي تُنشر الآن كنسخة دولية من الصحيفة. وتواصل صحيفة التايمز أيضًا نشر طبعة باللغة الصينية على الرغم، من حظرها رسميًا في البر الرئيسي، ولو أنها تخلت عن إصدار نسخة باللغة الإسبانية. ومع أن بعض القصص في الطبعة الصينية هي ترجمات لتقارير التايمز الأخرى، فإن بعضها يستهدف الوصول إلى جمهور اللغة الصينية أولاً.
إضافة إلى التغطية، أصبح الإنتاج نفسه عالميًا أيضًا. لم تعد مكاتب التايمز في باريس وهونغ كونغ موجودة فقط لتقديم التقارير عن أوروبا وآسيا بعد الآن؛ إنها تستولى على المؤسسة العالمية بينما تنام العناوين الرئيسية في نيويورك. وتشير آشر إلى أنه يتم حتى إنتاج بعض من برنامج “ذا ديلي” الناجح الذي تبثه التايمز في باريس، بحيث يمكن أن يكون جاهزًا عندما ينهض سكان نيويورك لاحتساء فنجان قهوتهم الأول. وبدلاً من التنافس مع الصحف النيويوركية الأخرى، أو حتى مع “الواشنطن بوست”، ترى التايمز نفسها بشكل متزايد وهي تتنافس مع مؤسسات إخبارية عالمية أخرى مثل صحيفة “الغارديان” -التي اتبعت مسارًا مشابهًا، حيث بدأت حياتها باسم “مانشستر غارديان” قبل إعادة تسميتها لتكون صحيفة وطنية في الستينيات، ثم الانطلاق إلى العالمية. كل هذا يرسم صورة مقنعة لصناعة جديدة تصبح أقل بمكان معين باطراد.

  • * *
    ما الذي ينبغي عمله؟ جادل عالم الاتصالات، فيكتور بيكارد Victor Pickard، مؤخرًا، في كتابه المعنون “ديمقراطية من دون صحافة؟
    (Democracy without Journalism? (2019بأن الطريقة الناجعة لإنقاذ الأخبار هي تمويلها علنا.
    وكما أشار نيكولاس ليمان Nicholas Lemann العام الماضي في مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس”، فإنه لم يكن هناك نقص في الحلول المحتملة الأخرى لهذه المشكلة. وفي حين أن الدعوات السبع عشرة للعمل التي طرحها هذان المؤلفان ليست، في تفاصيلها، جديدة إلى ذلك الحد، إلا أن موضوعًا واحدًا شاملًا يظهر فعلياً: يحتاج صانعو السياسات والصحفيون والعلماء، وحتى مستهلكو الأخبار، إلى فصل أنفسهم عن أساطير الصحافة وعن المثل الرومانسية المتعلقة بـ”إنقاذ” المؤسسات القائمة. من السهل بالنسبة لنا كمؤرخين للصحافة أن نرى أن عصر وسائل الإعلام المستقلة ذات الروحية الجماهيرية في الولايات المتحدة كان مجرد ومضة عابرة، لكن هذا المفهوم للأخبار والصناعات التي تنتجها يظل، بالنسبة لمعظم الأميركيين، كل ما عرفوه في تاريخهم. وينبغي أن نحاول كل الإصلاحات التي تقدمها آشر ومينو، لكن التغيير الأكبر سوف يكمن في إعادة التفكير في علاقتنا الأساسية بالأخبار، وسوف يستغرق ذلك وقتًا.
    ترى آشر خمسة طرق متعالقة للخروج من الأزمة الحالية. بادئ ذي بدء، تتناول مفهومنا لما يجب أن تفعله الصحافة، وكيف يجب أن يصل إليها مستهلكو الأخبار. ربما يتعين علينا أن نتقبل حقيقة أن الأخبار المطبوعة المحلية التي عرفناها منذ عقود قد ماتت، وأن نتحرك نحو وعي “ما بعد الصحف”. ويؤدي هذا إلى اقتراح آشر الثاني: “تفكيك” الكثير مما أصبحنا نفكر فيه على أنه صحافة محلية -تقارير الطقس، وقوائم الترفيه، ومَحاضر اجتماعات مجلس إدارة المدرسة- والسماح لمؤسسات مجتمعية أخرى بتولي هذه الوظائف، ما يترك للصحفيين حرية التركيز على تقارير مراقبة المخالفات. ثالثًا، تحث آشر على إعطاء أولوية للأصالة، والتنوع والشمولية في الأخبار. رابعًا، في إطار توسيعها لتوسيع نطاق تفكيكها للأسطورة التاريخية، تدعونا آشر إلى التفكير في الكيفية التي يمكن أن تكون بها الأخبار الحزبية -وكانت كذلك في الحقيقة- ميزة أكثر من كونها خللًا في الصحافة الأميركية. لقد طورت العديد من الدول أنظمة إخبارية حزبية، كما لاحظت، وبما أنها كانت قائمة على الحقائق وتعتمد على أنظمة التحقق، فقد أظهرت قدرتها على دعم ديمقراطية قوية. في الواقع، تشتمل معظم الديمقراطيات الأخرى على مصادر إخبارية حزبية باعتبارها “جزءًا لا يتجزأ من واقع الصحافة”. وتتمثل توصية آشر النهائية في بذل المزيد من الجهد لفهم ما تسميه “مرونة الأخبار”: العوامل التي تسمح للمجتمعات بمواصلة العمل بشكل جيد بعد فقدان مصادر الأخبار التقليدية.
    تأتي توصيات مينو الاثنتي عشرة للكيفية التي يمكن أن تتدخل بها الحكومة لإنقاذ الصحافة من عدة زوايا مختلفة. وهي أكثر تحديدًا من توصيات آشر، ولكنها تنبع أيضًا من حجتها الشاملة القائلة بأننا في حاجة إلى المطالبة بتدخلات إيجابية من الحكومة لدعم المؤسسات الإخبارية المسؤولة. وتوصي بإدخال إصلاحات على المادة 230 من “قانون آداب الاتصالات”، التي من شأنها أن تسمح للحكومة بمعاملة “فيسبوك” و”غوغل” و”تويتر” والمنصات الأخرى على أنها جهات فاعلة مسؤولة، ما يدفعها إلى تنظيف الأخبار السيئة والمعلومات المضللة. وتقول إن على الحكومة مطالبة هذه المنصات بالدفع لمنتجي الأخبار مقابل القصص التي تنشرها. ومن أجل تنظيم هذه المنصات، جادلت لصالح تصنيفها كمرافق عامة، ما سيسمح للحكومة بفرض نسخة محدثة من “مبدأ الإنصاف” الذي كان ينظم البث في وقت ما -ربما إلى جانب “مبدأ للتوعية” يكون من شأنه أن يساعد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على أن يكونا على دراية بمصادر المعلومات التي يستهلكونها، وكيف اختارت خوارزميات المنصات هذه المصادر لكل مستخدم. وتدعو إلى إيلاء اهتمام خاص لتعزيز الأخبار المحلية وتقديم مجموعة متنوعة من الأخبار للمستهلكين -وليس فقط تلك الأخبار التي تعتبرها الخوارزميات الأكثر جاذبية. وعلى غرار بيكارد، دعت أيضًا إلى زيادة التمويل العام للصحافة.
    تفهم كل من مينو وآشر أنها لا توجد توصية واحدة مفردة يمكن أن تنقذ الصحافة الأميركية، لكنّ دعوتهما إلى العمل تهدف إلى تذكيرنا جميعًا -وليس الباحثين والصحفيين والمستهلكين الحاليين للأخبار فحسب- بأن النظام الإيكولوجي الصحي للأخبار مهم. ومن المهم أيضًا إدخال هذه الفكرة في رؤوس وسياسات أولئك الذين في السلطة، وستكون هذه بالتأكيد معركة شاقة في مواجهة السياسات المغرقة في الحزبية والنقد التآمري لصحافة سائدة معيبة على نحو لا يمكن إنكاره.
    سيكون في المركز من هذا العمل التكتيكي التمييز بعناية بين انتقاد الأخبار بحسن نية أو بسوء نية. في مواجهة الاعتداءات على الصحافة على طريقة ترامب، من المهم أن نعترف بأن قراء “التايمز” و”البوست” يحصلون، بشكل عام، على صحافة مطبوعة ممتازة -مدعومة بموارد رائعة، يجمع محتواها مراسلون أذكياء، ومكتوبة بحس بالمسؤولية تجاه صحة المجال العام. ومن ناحية أخرى، كما أوضحت آشر بشكل مقنع، حتى أفضل الصحافة لديها نقاط عمياء -من حيث القصص التي تتم متابعتها، والطريقة التي يُكتب بها عنها، والجماهير التي تستهدفها. ثمة تغطية قليلة للمجتمعات المحلية، خاصة خارج مدينة نيويورك. وهناك قدر أقل بكثير من التنوع في غرف التحرير هذه -سواء من حيث الديمغرافيا أو الأيديولوجية- من مقدار التنوع في السكان. ويضيف كل هذا إلى وجود أساس شرعي للنقد. وكما تقول آشر: “في الوقت الحالي، ينتابني القلق من أنه إذا لم يتغير شيء، فإن وسائل الإعلام الإخبارية لدينا ستسهل بشكل أكبر ديمقراطية النخبة، مع صحافة توفر المعلومات للنخب عن النخب القوية الأخرى حتى تمكن محاسبتها، إما من خلال العقوبات الرسمية أو بعار الفضيحة”. وقد يكون هذا مهمًا، لكنه ليس كافياً للحفاظ على ديمقراطية شاملة حقًا.
    قبل ما يقرب من خمسة عقود، دعا الباحث الإعلامي جيمس كاري James Carey إلى تطوير ثقافة نقد الصحافة في الولايات المتحدة. وما يزال صدى تلك الدعوة يتردد حتى اليوم. وبينما نعمل على بناء نظام بيئي قوي ومسؤول للأخبار التي تمثل المواطنين على نطاق واسع، فإننا نحتاج إلى أن نحلل وننتقد -بحسن نية- الصحافة المعيبة، وإنما الأساسية التي لدينا.

*Kevin M. Lerner: أستاذ مساعد للصحافة في كلية ماريست، وهو محرر مجلة Magazine Media. يركز بحثه على التاريخ الفكري للصحافة من خلال النقد الصحفي، والهجاء، والمجلات. كتابه “إثارة الصحافة: مجلة (مور) وأزمة الثقة في الصحافة الأميركية” صدر عن مطبعة جامعة ميسوري في صيف العام 2019.
*نشرت هذه المراجعة تحت عنوان: The News Is Dead, Long Live the News!
هامش:
(1) دين ب. باكيه Dean Baquet صحفي أميركي، شغل منصب المحرر التنفيذي لصحيفة “نيويورك تايمز” منذ 14 أيار (مايو) 2014. بين العامين 2011 و2014، كان باكيه مدير التحرير في ظل رئيس التحرير التنفيذي السابق جيل أبرامسون. وهو أول شخص أسود يعمل كمحرر تنفيذي. من مواليد نيو أورليانز، بدأ حياته المهنية في مجال الصحافة قبل أن ينتقل إلى “شيكاغو تريبيون”.
*بطاقات الكتابين اللذين عرضتهما هذه المقالة:
“News for the Rich, White, and Blue: How Place and Power Distort American Journalism”. Nikki Usher. (Columbia University Press).
“Saving the News: Why the Constitution Calls for Government Action to Preserve Freedom of Speech”. Martha Minow. (Oxford University Press).

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock