أفكار ومواقف

ماجستير ودكتوراه “ديلفري”

في ندوة أقامتها مؤسسة عبدالحميد شومان طرحت موضوعا كان مسكوتا عنه لسنوات طويلة، وهو سرقة الأبحاث الجامعية. وهي بحق من الندوات المهمة لمعرفتنا الأكيدة بأن الدول تنهض بالبحث العلمي، وتجعلها في مصاف الدول المتقدمة علميا. ولكن عندما يتم تسليع هذا البحث من خلال مجموعة من المراكز المنتشرة خلف أسوار الجامعات وفي مختلف المحافظات، ستكون ظاهرة لا يمكن السكوت عنها كما ولا يمكن نكرانها، ويقبل بها الأساتذة قبل الطلبة، خاصة وأن هناك لغطا ما بين السرقة والاقتباس.
الندوة كانت ساخنة وسلطت الضوء على زوايا مختلفة لهذه الظاهرة. فهي لم تقتصر على الطلبة فقط، بل طالت الأساتذة والأكاديميين الذين يلجؤون لهذه المراكز لكتابة أبحاث لهم ومقالات ليحصلوا بدورهم على ترقيتهم في الدرجة العلمية.
تجارة الأبحاث تم تناولها إعلاميا في السابق، وهناك أسعار تختلف حسب جنسيات الطلبة، وفي بحث استقصائي قام به أحد الإعلاميين وبثه التلفزيون الأردني، يقول فيه إن أحد مالكي هذه المراكز هو أستاذ جامعي، وقد برر ذلك بدوام العمل الطويل في الجامعة والعائد المادي القليل. والآن أصبح الإعلان عبر مواقع التواصل الاجتماعي متاحا وبصورة صريحة بتوفير خدمات كتابة رسائل أو بحث الماجستير بمقابل مادي. البحث هنا يكون بطريقة (الديلفري)، بحسب د. مهند مبيضين الذي أبدع فعلا في وضع اليد على الجرح في هذه الندوة.
إذن، نحن أمام انهيار السلطة الأخلاقية للتعليم، وقد يكون من أحد أسباب تراجع المنظومة العلمية في جامعاتنا؛ صعود الجامعات الخاصة للدراسات العليا وسعي الجامعة لاستقطاب طلبة عرب من دول مجاورة بغض النظر عن مستوياتهم، وبأعداد كبيرة وتقليص عدد صفحات البحث. ويتم قبولهم بدون مقابلة أو طلب نموذج لورقة بحثية، أو كتاب تغطية يشرح فيه الطالب رغبته في تخصص بالماجستير والدكتوراه ليقنع اللجنة لتوافق على قبوله.
إن التعليم الذي نطمح له هو الذي يقوم على معالجة الأبعاد المادية والاجتماعية والروحية للتنمية البشرية، وتعليمنا الذي نتمناه يجب أن يرقى لترسيخ الخدمة إلى الخير العام وأن يكون جزءًا لا يتجزأ من التعليم؛ ومن المهم التفكير من حيث العملية -خاصة تلك المستنيرة بالتوجه نحو التعلم المستمر من قبل المؤسسات والأفراد. فهذا الاضمحلال لهذا البحث العلمي بكل صنوفه، يدق ناقوس الخطر بأن على الأساتذة أن يعوا المسؤولية الأخلاقية والأمانة العلمية الملقاة على عاتقهم. والسؤال هنا كيف يمكن لجم هذه الظاهرة؟ هل يتم سحب الشهادة إذا ثبت أن الطالب قام بسرقة البحث؟ أو عدم تقييد الطلبة وإعطائهم حرية التفكير لأن البحث أيضا يحتاج لحرية. أو من قد يكون أيضا حرمان الأستاذ من تدريس الدراسات العليا، وكذلك الإشراف والمناقشة اذا ثبت أنه متواطئ لأنه كمشرف عليه أن يكون مسؤولا عن المتابعة، وإنشاء مرصد علمي لمكافحة لصوصية البحثية.
لماذا يلجأ الطلبة لهذه المراكز، وما هو نوع التعليم الذي تلقوه في دراستهم؟ هل كان يعزز العمليات والسلوكيات التي تتميز باستقامة السلوك، والثقة، والتحرر من التحيز. هل يتم توجيه الجامعات نحو مساعدة بعضها بعضا على التقدم بدلاً من محاولة منافسة بعضها بعضا، وهل يتم خلق بيئة يمكن أن يحدث فيها تعليم ذو معنى ومستدام. وإن عرفنا بأن مسؤولية التعليم هي تشكيل القيم والمواقف والسلوكيات والمهارات التي ستجعل من الممكن العمل بفعالية في المجتمع.
سواء أكانت مافيات تدير هذه الشبكة أم مبادرات فردية لمراكز متناثرة حول أسوار الجامعات، لا بد من الاعتراف بأنه انحدار أخلاقي بل هو أكبر من أمور كثيرة تحاول الدولة محاربتها، وبالمقابل على الجامعات مسؤولية تدريس وتعليم الطلبة منهجية البحث بأساليبها المعروفة.
جهود قيمة تقدمها هذه المؤسسة الرائدة –شومان- المعنية بالمشهد الثقافي والعلمي، وهي إن وفرت هذا الفضاء لطرح موضوع لم يتم طرحه من ذي قبل بهذا الشكل، فإن الدور المنشود الآن من سيقرع الجرس ويضع حدا لهذه الآفة التي تنخر في المنظومة التعليمية والأخلاقية في مجتمعنا الغالي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock