أفكار ومواقف

ماذا أعددنا لأزمات ما بعد كورونا؟

في خضم هذا الانغماس بمحاولات الخروج من أزمة كورونا بأقل الخسائر على المستوى الصحي وهو بالتأكيد أولوية قصوى الآن، بالإضافة إلى الجهود المقدرة للحكومة في تقديم معونات حياتية للفئات المهمشة، ينبغي على الحكومة التفكير بعمق في الانعكاسات الاقتصادية المترتبة على هذه الأزمة والمتوقع استمرارها لفترة ليست قصيرة، بعد انتهاء الأزمة.
هذه الانعكاسات ستمتد لتطال قطاعات عديدة ملحقة أضرارا كبيرة بشريحة واسعة، وستعمق المعضلات التي يعانيها الاقتصاد الأردني بالأصل، إذا لم تتم دراستها استباقيا والخروج بسياسات شمولية وتدابير عاجلة لعلاجها والحد من آثارها المتوقعة.
مخاوف عدة تراود العاملين في القطاع الخاص من التعرض للفصل التعسفي وإنهاء الخدمات نتيجة تعطل الأعمال في فترة حظر التجوال وما سيعقب ذلك من انكماش اقتصادي، وقد بدأت شركات كبرى على مستوى العالم بالاستغناء عن أعداد هائلة من العاملين.
نقيب المدارس الخاصة صرح لوسائل الإعلام مؤخرا، بأن المدارس لا تستطيع تأمين رواتب العاملين فيها لعدم تسديد الغالبة للرسوم الدراسية، إضافة لمطالبة أولياء أمور باسترداد أقساط الفصل الدراسي الثاني بسبب تعطيل المدارس.
حين نعلم أن عدد مدرسي المدارس الخاصة يتجاوز 40 ألف معلم، ناهيك عن الإداريين والوظائف الأخرى في تلك المدارس، فإبمكاننا تخيل ضخامة عدد الأسر المتضررة من عدم دفع الرواتب لهذه الشريحة فقط، وهو الأمر الذي قد ينطبق أيضا على العاملين في الجامعات الخاصة إذا طالت فترة التعطل.
ما ينطبق على قطاع التعليم الخاص ينطبق أيضا على العاملين في مختلف القطاعات الخاصة الأخرى، ومعظمهم من أفراد الطبقة الوسطى التي تنفق ما يقارب 100 % من دخولها على التزامات مختلفة أهمها الأقساط البنكية وأجور السكن وفواتير الماء والكهرباء ونفقات التعليم بالإضافة للاحتياجات المعيشية الأخرى.
بالتالي، فإن تعثر هؤلاء بالوفاء بالتزاماتهم لن يتوقف أثره على تدهور أوضاعهم المالية والمعيشية، بل سيمتد إلى أصحاب الحقوق في هذه الالتزامات وإلى القطاعات الخدمية والتجارية التي ستتأثر مباشرة بتراجع القدرة الشرائية للأفراد، ما يعني الدخول في حالة ركود خانقة على مستوى البلاد.
دول عدة سارعت لاتخاذ تدابير لإنقاذ اقتصاداتها من الانهيار، الحكومة الألمانية مثلا خصصت مليار يورو لدعم الشركات من مختلف الأحجام، وأعلنت عددا من الإجراءات الضريبية لضمان تدفق السيولة على الشركات.
حكومة إسبانيا أعلنت تخصيص 200 مليار يورو لمساعدة الشركات وحماية العمال والفئات الهشة، فيما رصدت البرتغال 9.2 مليار يورو لمساعدة الشركات وتسديد اقتطاعات التأمين الاجتماعي والضرائب، كما خصصت فرنسا 45 مليار يورو للأعمال الصغيرة.
كذلك خصصت تركيا 15.4 مليار دولار لما أسمته «درع الاستقرار الاقتصادي»، لتسديد القروض والضرائب المستحقة المتأخرة، وأعلنت السعودية عن اتخاذ اجراءات بقيمة 120 مليار ريال لتخفيف تداعيات أزمة كورونا على الأنشطة الاقتصادية.
نعلم جيدا أن الاقتصاد الأردني لا يتمتع بالرخاء الذي تحظى به اقتصادات هذه الدول، لكن في ذلك مدعاة أكبر للإسراع في اتخاذ تدابير عاجلة تجنّب الاقتصاد الأردني والطبقات الأكثر هشاشة في المجتمع كوارث اقتصادية قد تجر وراءها مشكلات إنسانية واجتماعية لن يكون من السهل احتواؤها إن وقعت.
الحكومة الأردنية لا تمتلك فوائض في موازنة تشكو مديونية مرتفعة تزداد سنويا، وهنا يأتي دور مؤسسات القطاع الخاص الكبرى في البلاد التي تتمتع بملاءة مالية تمنحها صلابة عالية تضيق مدى تأثرها بالأزمات.
صحيح أن بعض المؤسسات الخاصة الكبرى وخصوصا المصرفية بادرت بتقديم تبرعات لوزارة الصحة لمواجهة الأزمة، لكنها في معظمها كانت مساهمات متواضعة نسبة لحجم الأزمة وتبعاتها ولقدرة هذه المؤسسات الفعلية.
على هذه المؤسسات وعلى الحكومة، التنبه بسرعة إلى حساسية المرحلة القادمة والوقوف جنبا إلى جنب للخروج بآلية تجنب البلاد مزيدا من الأخطار الاقتصادية، ولتتذكر هذه المؤسسات أنها الرابح الأول والأكبر دائما من أي تحسن في الحالة الاقتصادية العامة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock