أفكار ومواقف

ماذا بعد الخيلاء الأميركية..؟!

من البديهي أن تكون أعمار الإمبراطوريات أطول من أعمار البشر، ولا بد أن تستغرق رحلة سقوطها فترة أطول. وعندما يتحدث الكثيرون في السنوات الأخيرة عن تراجع القوة الأميركية، فإنهم لا يقصدون أن العالم سيصحو غداً ولا يجد أميركا جالسة على أكتافه. لكن الولايات المتحدة بلغت الذروة التي لا يتبقى بعدها سوى الهبوط.
مثل أي قوة تجد نفسها متفردة بلا منافس، وصلت الولايات المتحدة حدا من الخيلاء فقدت معه الصواب الأخلاقي والعملي، بحيث لم تعد تعبأ بالدبلوماسية والكياسة والتظاهر الضروري. وفي كل الأدبيات الأرضية والميثولوجية والسماوية، كانت الخيلاء دائما مقتلا وسببا في “سقطة تراجيدية” لا قيامة بعدها –من سقوط إبليس من الجنة، إلى عمى أوديب إلى الإمبراطوريات الهالكة. ولم تعد أميركا الآن تجد ضرورة في التظاهر بالوصاية على القيم الإنسانية والديمقراطية في العالم والداخل على حد سواء. وكيف لا تفعل، وقد تُرك لها العالم بعد “الحرب الباردة” لتفعل ما تشاء بلا محاسبة ولا خشية؟ لقد أخرج ذلك منها أسوأ نوازع الشر حتى أنها لا تعبأ بتحذيرات الكثير من الاستراتيجيين والمنظرين الأميركيين الكثر الذين يقرعون الجرس.
الآن، مهما حاول البعض إقامة قضية أن الولايات المتحدة هي “الأمة التي لا غنى عنها” أو أنها الضامن لـ”النظام العالمي” غير المنصف الذي يصفونه بالمستقر، فإنهم لا يستطيعون تجاهل معاداة الأميركانية المتصاعدة في العالم. ولا يتعلق الأمر بعدد وأماكن الدول التي تُوصف بأنها “حليفة” لأميركا وتُنسب للمدار الأميركي. إن “التحالف” مع هذه الدول هو تحالف مع نخبها الحاكمة التي لا تقل سوءًا، وشرائها بالتخويف أو ابتزازها مقابل الحماية مثل أي فتوة أو بلطجي. ولا شك في كراهية الشعوب التي تتعرض للإذلال المنهجي المحلي برعاية أميركية، لهذا المهيمن الثقيل الذي لم يعد يتردد أخيراً في إعلان ازدرائه للـ”حلفاء” وتذكيرهم بهوانهم علناً –من دول أوروبا، إلى شرق آسيا، إلى العرب.
بالإضافة إلى الكراهية التي راكمتها أميركا، سيدة ثقافة الكراهية، ثمة قوى تستغل فرط التمدد الأميركي والتورط في التوترات والحروب، لتطرح نفسها كبدائل أكثر أخلاقية واعتمادية. ثمة الصين الصاعدة عسكريا واقتصاديا، والتي تعرض نفسها كشريك سلمي مستعد للتعاون من دون اشتراط التبعية والهوان القومي والعبث بالشؤون الداخلية للآخرين. وثمة روسيا المنبعثة التي تبرهن أنها ستسارع إلى نجدة حلفائها –حتى عسكرياً- وتستفيد من سمعة السوفيات القديمة كحلفاء لحركات التحرر والفقراء.
على الصعيد الداخلي، تعرض أميركا مثالا متطرفا في عدم المساواة واستيلاء النخبة الصغيرة على الثروة والمصائر. وعندما تُبحث أزمة الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، تكون هي حالة الدراسة الأولى. كما أنها لم تعد “أرض الفرصة” التي يقصدها كل باحث عن الحرية أو تحقيق الإمكانات. بل إنها تتزعم الآن كراهية الأجانب والمهاجرين الذين صنعوها في المقام الأول، وتكشف عن نزعة عنصرية متأصلة تتجلى في “التفوقية البيضاء” والتعالي القومي على بقية العالم وقوانينه ودوله وشعوبه ومؤسساته.
الآن، تجاوزت الولايات المتحدة صلف الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وبشاعتها، باستعمال أدواتها المتفوقة للهيمنة التي لم تكن متاحة للسابقين. وهي لا تترك زاوية في العالم إلا ودست فيها أنفها وأطرافها التآمرية والعسكرية –ودائماً بما لا يعود بالخير على الشعوب. وبسبب طبيعة تدخلها الطفيلي المدمر بشكل خاص، ضاقت أمام أمم كاملة فرص التقدم والانعتاق، ومنها الأمة العربية التي أصبحت مكبلة كلها باشتراطات المهيمن الأميركي وترتيباته التي تغرقنا في الأزمة فرديا وجمعيا.
كان عرض إعلان ما تدعى “صفقة القرن” قبل أيام تتويجا للخيلاء التي تقدّم للسقطة التراجيدية. وقد لخص الكاتبان الأميركيان ابنا المؤسسة، روبرت مالي وآرون ديفيد ميلر، المشهد فكتبا: “تعكس استراتيجية إدارة ترامب قناعة فريق ترامب بأن القوة غير المُمارَسة هي قوة مهدورة، وأن تلك القوة يجب أن تُستخدم للافتراق عن طرائق الماضي، وأن الرؤساء السابقين أهدروا وقتاً طويلاً وهم يقلقون بشأن كيف سيكون رد فعل خصوم أميركا على أفعالنا عندما يجب أن يقلق الآخرون من كيفية رد أميركا على أفعالهم. وسوف تأتي الفاتورة الجماعية عند نقطة ما، ويمكن أن تكون كبيرة. وحتى ذلك الحين، سيتعامل العالم مع إدارة تصبح فالتة من القيود والضوابط باطراد. وستكون آفاق تحقيق سلام إسرائيلي-فلسطيني عادل وقابل للحياة واحدة من خسائره العديدة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock