أفكار ومواقف

ماذا بعد الصفقة؟!

فقدت صفقة القرن زخمها إعلاميا بعد أقل من أسبوع من الإعلان عنها، فالصفقة التي كان من المفترض أن تكون حديث العالم تختفي من على صفحات كبريات الصحف العالمية في وقت تخلو فيه القنوات التلفزيونية من أي إشارة اليها. لكن هذا لا يعني أنها لم تعد ذات صلة، فنتنياهو يحاول توظيفها بشتى الطرق للخروج فائزا في الانتخابات الإسرائيلية المزمع عقدها في الثاني من شهر مارس القادم وبالتالي النجاة من المحاكمة المنتظرة.
تسرّع نتنياهو عندما أعلن أنه ينوي ضم الكتل الاستيطانية بما فيها مستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس وشمال البحر الميت وغور الأردن في ظرف أسبوع إذ سال لعاب المستوطنين الذين اعتقدوا بأنهم باتوا على مرمى حجر من تحقيق حلم لهم طال انتظاره، غير أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالصراع بين جناحي فريق السلام الأميركي انتهى لصالح جاريد كوشنر الذي يرى بأن أي عملية ضم ينبغي أن تأتي بعد الانتخابات الإسرائيلية. وهكذا يخسر السفير الأميركي ديفيد فريدمان – الذي يساند المستوطنين ويكره اليسار الإسرائيلي – الرهان وينصاع لما يريده كوشنر. ربما هناك من يقول بأن كوشنر وفريدمان يعملان معا بتنسيق عال، لكن هناك ما يشير إلى ان فريدمان يختلف عن كوشنر إذ وثّق اتصالاته مع اليمين الإسرائيلي وبدأ منذ أن أصبح سفيرا يتكثيف هذه الاتصالات التي تمحورت حول رسالة مسيحانية وتلمودية يفهمها المستوطنون جيدا.
على عكس كل التوقعات، خاطب نتنياهو قاعدته الانتخابية متعهدا بالقيام بعملية الضم بعد الانتخابات! وبالتالي تبخرت كل تعهداته السابقة بخصوص الضم السريع للأراضي الفلسطينية على نيران حسم الخلاف بين كوشنر وفريدمان. هذا لا يعني أن كوشنر يعارض الضم، فعلى العكس من ذلك كان هو شخصيا من أقنع الرئيس ترامب بضرورة ضم هذه المناطق، إلا أن كوشنر شخصيا يريد مناقشة تفاصيل الضم وهذا يأخذ وقتا طويلا ويفضل أن يجريه مع حكومة إسرائيلية مستقرة.
حماس المستوطنين ومن ورائهم فريدمان ليس للخطة ذاتها، فالخطة تتضمن إعطاء الفلسطينيين جزءا من أرضهم وهذا أمر غير مقبول بالنسبة للمستوطنين. لكن يفهم المستوطنون بأن الرفض الفلسطيني للخطة يحرم الفلسطينيين من أي منجز في حين يمنح إسرائيل فرصة ضم 150 مستوطنة وغور الأردن وشمال البحر الميت. وعليه فإن نتنياهو مطالب بتقديم هذا المنجز للمستوطنين وقاعدته اليمينية قبل الانتخابات. ولذلك يسعى من خلال الاتصالات اليومية مع الإدارة الأميركية من جانب ومن خلال التواصل مع القاعدة الانجيلية في الولايات المتحدة للضغط على الإدارة من جانب آخر لتسريع الموافقة الأميركية على الضم.
الفرق بين نتنياهو والإدارة الأميركية هو عامل الوقت، فالأول يشعر بأن حياته السياسية تعتمد بالدرجة الأولى على الانتخابات القادمة لذلك يستعجل الظهور بمظهر من يحقق الانجازات. صحيح أن نتنياهو لا يمكن له نظريا مخالفة الإدارة الأميركية لكنه يعرف أن ما يقوم به كوشنر ربما يساهم في تعزيز فرص خصمه السياسي بني غانتس الذي يطالب بتأجيل الضم حتى بعد الانتخابات. من جانب آخر، تريد الإدارة الأميركية تهيئة الظروف لقبول عربي. وهكذا نفهم محاولات أميركية لترتيب لقاءات بين نتنياهو وعدد من القادة العرب لأن مثل هذه اللقاءات تخفض من سقف التوقعات العربية وتساهم في عزل الفلسطينيين.
بكلمة، هناك بنية ذهنية كولونيالية مسيطرة في الإدارة الأميركية تؤمن بإمكانية إعادة رسم خطوط الصراع في المنطقة وفقا لمصالحها، وكأن الجانب العربي غير موجود أو أنه محروم من الخيارات الاستراتيجية أو من صنع خيارات جديدة بعيدة عن الاملاءات الأميركية التي لم تكن يوما في صالح القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock