أفكار ومواقفالكتّاب

ماذا بعد واشنطن؟

من قمة تاريخية ناجحة بكل المقاييس بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الأميركي جو بايدن في واشنطن، إلى لقاءات مثمرة مع أركان الإدارة من نائبة الرئيس كامالا هاريس، إلى كبار مسؤولي الخارجية والبنتاغون والأمن الداخلي والأمن القومي والخزانة والوكالة الأميركية للتنمية وغيرهم، إلى قيادات الكونغرس الأميركي، بشقيه الشيوخ والنواب، إلى ممثلي أبرز مراكز البحوث الأميركية المؤثرة، تكون الدبلوماسية الأردنية قد أكملت الحلقة ووضعت قضاياها ومواقفها وأولوياتها على طاولة صناع القرار الأميركي، والذين لم يدخروا جهدا بدورهم في التعبير عن دعمهم للمملكة بكل العبارات والتعاون في مقبل الأيام. حتى أن بعض المراقبين يرون في الحفاوة التي استقبلت بها واشنطن جلالته بغير المسبوقة لرئيس أي دولة في العالم، منذ وصول بايدن وفريقه إلى البيت الأبيض وحتى الآن.

ماذا يعني هذا؟ من المؤكد أن الأرضية باتت جاهزة للانطلاق في أكثر من اتجاه بالنسبة للدبلوماسية الأردنية، التي عادت إلى سابق عهدها مع قرب زوال تداعيات جائحة كورونا، والأهم رحيل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وسياساته غير المتزنة حيال المنطقة والعالم. فالأردن، المعروف عبر تاريخه السياسي باعتماد لغة المنطق والحوار والعقلانية عانى، كما عانى الكثيرون، من غياب كل ذلك في إدارة ترامب، والذي كان من أهم تقليعاته، هو وصهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، ما بات يعرف بصفقة القرن، التي ولت بلا رجعة برحيله عن السلطة.

والسؤال: ماذا بعد سلسلة النجاحات في واشنطن؟ بالتأكيد هناك ملفات عديدة سيتم العمل عليها أردنيا في المنطقة. ومنها إعادة إحياء مفاوضات السلام على أساس حل الدولتين. ومنها الاستمرار في مساعدة العراق لتعزيز أمنه واستقراره، والانطلاق من ذلك اقتصاديا وتجاريا، وبما يصب في مصلحة البلدين، خصوصا في ظل مخرجات قمة بغداد مؤخرا. ومنها العمل مع جميع الأطراف المعنية لإيجاد حل للأزمة السورية، وأهمية ذلك تباعا في عودة حركة الاقتصاد والتجارة مع الأردن ولو على مراحل. ومنها دعم تعزيز الوفاق في ليبيا والمساهمة في عملية إعادة الإعمار هناك، ودور القطاع الخاص الأردني في ذلك. وهناك الكثير من الملفات الأخرى.

وليتناغم كل ذلك أكثر في خدمة مصالحنا العليا، فمن المتوقع البناء على النجاح الدبلوماسي في واشنطن بنجاحات مشابهة في عواصم صنع القرار العالمي من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا وروسيا والصين واليابان وغيرها. فقد تغير العالم بعد كورونا وبعد رحيل ترامب، وعلينا وضع أولوياتنا مجددا وبقوة على رادارات السياسة الخارجية للدول الفاعلة في العالم سياسيا واقتصاديا، وحتى على مستوى القطاع الخاص فيها، لنجني من الفائدة ما نستحق.

نحن فعلا أمام انطلاقة قوية للأردن في مسرح الأحداث في المنطقة والعالم، لتأتي المهمة الأكبر، والتي تكمن في تحويل كل ذلك النجاح السياسي إلى فوائد اقتصادية وتجارية واستثمارية وسياحية وفتح أسواق جديدة للمنتج الوطني وترويج للخبرات والأيدي العاملة الأردنية في الخارج وغير ذلك، وبما يسرع عجلة النمو، وبالتالي محاربة الفقر والبطالة، وهما معا همنا الأكبر.

لننظر إلى مبدأ آمن به أحد أبرز الرؤساء في التاريخ الأميركي وهو إبراهام لنكولن، ومفاده أن في الصداقة مفتاح كسب الآخرين ودعمهم لقضايانا. وإذا ما أردنا تأويل هذا القول البليغ من زاويتنا، فقد نجح الأردن، بحكمة قيادته وشجاعة مواقفها، في عقد صداقات مؤثرة تخدم مصالحه الوطنية العليا مع مختلف القوى العالمية. ولنا في عقود الصداقة والاحترام والمصداقية بين جلالة الملك والرئيس بايدن مثال، بقول رئيس أكبر قوة سياسية واقتصادية أمام كاميرات العالم، خلال القمة التي جمعت الزعيمين: “لطالما كنتم إلى جانبنا، وستجدنا دائما إلى جانبكم”. وفي هذا يكمن نجاحنا السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock