أفكار ومواقف

ماذا تحمل الأشهر القادمة؟

عدت مؤخرا من زيارة للولايات المتحدة، حيث وجدت جوا مشحونا للغاية وتخوفا كبيرا من حرب مع إيران، وذلك بعد تصريحات استفزازية للرئيس ترامب أوحت بفكرة أن الحرب قادمة. ومع ذلك، فمن المستبعد جدا أن تقوم الولايات المتحدة بحرب تعرف أنها لن تحظى بأي قبول شعبي أميركي، وهو قبول يحتاجه ترامب بشدة وهو على أبواب انطلاق حملته لفترة رئاسية ثانية. لذا، فقد بدأت الإدارة الاميركية تهدئ من تصريحاتها السابقة وتعلن ان ليس في نيتها الدخول في حرب مع إيران.
بالنسبة لنا، فإن موضوع صفقة القرن هو ما يتصدر اهتمام المنطقة عكس الأجواء في واشنطن، حيث لا يحظى بنفس الاهتمام من وسائل الإعلام. ومع ذلك، فهناك إدراك داخل مراكز صنع القرار الرسمية، باستثناء البيت الأبيض ووزارة الخارجية، من أثر هذه الصفقة على الأردن. ومع حل الكنيست الاسرائيلي والتحضير لانتخابات جديدة في شهر تشرين أول القادم، فمن الواضح ان الشق السياسي من الصفقة قد تم تأجيله مرة أخرى، وهو تأجيل قد يفضي إلى عدم الإعلان عنها نهائيا، خاصة مع قرب تحول اهتمام الإدارة نحو الانتخابات الرئاسية الاميركية في العام المقبل.
لكن هناك عاملا لا يجب ان نتجاهله، وهو إن فشل مؤتمر البحرين الذي يتناول الشق الاقتصادي للصفقة قد يزيد من إضعاف شهية الإدارة الاميركية للإعلان عن الشق السياسي للصفقة. ومن هنا، فإن افشال مؤتمر البحرين مصلحة استراتيجية فلسطينية وأردنية على حد سواء للمساهمة في اجهاض الصفقة. وفي حين أتفهم تماما الضغوط الأميركية على الأردن لحضور المؤتمر، وقد شهدت العديد منها أثناء عملي في الحكومة، إلا انني آمل ألا يستجيب الأردن لهذه الضغوط، فلا مصلحة لدينا في نجاح المؤتمر ولو جزئيا، كما أن حضورنا سيضعف الرسالة القوية التي أرسلها الأردن بقيادة جلالة الملك من خطر هذه الصفقة على الفلسطينيين وعلى الأردن أيضا. ولا بد من إفهام الرئيس الأميركي انه لا يستطيع التعامل مع الأردن باعتباره مجرد collateral damage أو” أضرار جانبية” نتيجة هذه السياسة الاميركية الرعناء.
كما لا بد من الإشارة إلى أن الأردن ليس معزولا داخل مراكز صنع القرار الأميركية المتعددة، فالكونغرس الأميركي بشقيه ومعظم دوائر الإدارة الأميركية تتفهم الموقف الأردني وتدعمه، ويستطيع الأردن توظيف ذلك لصالحه في حالة وجود ردة فعل من الإدارة.
تشكل الانتخابات الاسرائيلية القادمة فرصة لإضعاف نتنياهو وربما لإخراجه من الحكم، باعتبار أنها ستضعف جهوده الحالية لتحصين نفسه ضد قرار قضائي بتقديمه للمحاكمة، وان من المحتمل ان يحافظ اليمين الاسرائيلي على اغلبيته داخل الكنيست. وبالرغم من ذلك، فان استمرار وجود قائمتين عربيتين خطيئة لا يجوز ان تتكرر، فقد أدت في الانتخابات الأخيرة إلى تشرذم الأصوات العربية وعزوف عدد كبير من الناخبين العرب عن التصويت، ما ادى إلى انخفاض عدد اعضاء القوائم العربية من ثلاثة عشر إلى عشرة مقاعد فقط. فإذا ما نجحت الجهود للرجوع إلى قائمة واحدة وتجاوز النزعات الشخصية، وان تم تكثيف الجهود لاقناع الناخبين العرب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، فهناك فرصة ليس فقط لاستعادة المقاعد الثلاثة عشر، بل زيادتها لخمسة عشر مقعدا. بذلك يعزز فلسطينيو الداخل مقاومتهم لمحاولات إسرائيل إقامة دولة أبارتهايد لا تعترف قوانينها بالمواطنة الكاملة للفلسطينيين.
كل هذه التطورات تحتاج منا الوقوف صفا واحداً وراء جلالة الملك ضد المحاولات الاسرائيلية والاميركية لتصفية القضية الفلسطينية، كما نحتاج لمطبخ سياسي وطني يدرس كافة الخيارات ويقدم حلولا تسند الموقف الرسمي الحكومي لتعدي مرحلة سيتم فيها وضع ضغوط كبيرة على الأردن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock