أفكار ومواقف

ماذا تعني المنح للأردن؟

الفرضية الوحيدة التي تتغير في قانون الموازنة إيجاباً لصالح الخزينة هي فرضية المساعدات والمنح، فجميع مؤشرات الموازنة إما أن تكون أقل مما قُدّر أو بقيمتها على أبعد تقدير، في حين يزداد رقم المساعدات الفعليّ عن المُقدّر كثيراً.
عام 2019 قُدّرت المساعدات بالميزانية بحوالي 600 مليون دينار، لكن الفعلي الذي تحقق كان 804 ملايين دينار، وفي عام 2018 قُدّرت المنح بحوالي 560 مليون دينار في حين كان الفعلي 895 مليون دينار، وهذا العام قُدّرت المساعدات بـ 807 ملايين دينار، ولننتظر نهاية العام ما ستحصل عليه الخزينة فعليّاً من مساعدات.
لكن يبقى السؤال على الدوام، هل المنح في الموازنة هي التي تحصل عليها المملكة فقط؟
كما هو معلوم فإن الأردن يتمتع بشبكة علاقات قوية بفضل القيادة الهاشمية التي تمتلك رصيداً هائلاً من المكانة المرموقة عالمياً، جعلت من الدول الصديقة والمانحة تقدم على الدوام المساعدات للمملكة بأشكال وطرق مختلفة، وليس صحيحاً أن الميزانية هي الباب الإنفاقي الوحيد للمساعدات الخارجيّة، فهناك مجالات صرف مُختلفة خارج قانون الموازنة العامة، وقد يكون المبلغ الذي يُصرف خارج المساعدات من المنح أكبر بكثير مما يصرف داخل الموازنة.
الإحصاءات الرسميّة الصادرة عن وزارة التخطيط تُشير إلى ذلك بوضوح، حيث بلغت قيمة المساعدات الخارجية من المنح والقروض الميسرة للمملكة والموقعة خلال عام 2019 ‏وحصل عليها فعلاً حوالي (2.87‏) مليار دينار أو ما يعادل (4) مليارات دولار (متضمنة الدعم المقدم للاجئين السوريين).
واضح أن الاقتصاد الوطنيّ بات اليوم أكثر اعتماداً على أموال الدعم الخارجي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي خاصة في السنوات الأخيرة.
دعم الأردن هو جزء أساسيّ لاستقرار المنطقة فموقعه الجغرافيّ يزيد من حساسيّة الموقف على الصعيد الإقليميّ، فهو حافظ أساسيّ للاستقرار ومحرك ديناميكيّ لِتعزيز فرص السلامة في المنطقة، وتجاوزه مسألة صعبة في ظل التعقيدات الديموغرافيّة والجيوسياسيّة.
الاقتصاد الأردنيّ رغم ضبابيّة المشهد الإقليميّ وحالة عدم اليقين التي تسيطر على المنطقة مُستمر في سياسات إصلاح اقتصاده بالتعاون مع صندوق النقد الدوليّ، وأنجز ملفات عديدة من اتفاقياته التصحيحيّة معه، والهدف هو زيادة الاعتماد على الذات وتقوية أنشطته الاقتصاديّة والإنتاجيّة، وهذه رسالة مهمة للمانحين والمؤسسات العالميّة والدول الصديقة في دعم جهود المملكة في تعزيز استقراره بشهادة دوليّة من الصندوق، الذي بات دعمه رسالة أساسيّة للمانحين للاستمرار في علاقة إيجابيّة مع الأردن، وغير ذلك سيكون الأردن على خانة الدول الأكثر خطورة في التصنيف الائتمانيّ، مما سينعكس على قدرته التمويليّة وحصوله على قروض بفوائد ميسرة كخطوة أولى لمعالجة مديونيته التي باتت فعلا كابوساً يُعيق التنمية ويستنزف موارد الدولة.
لكن البعض يرى أن أفضل مبدأ لمواجهة الصدمات الاقتصاديّة التي يتعرض لها الأردن هو تعزيز مبدأ الوقاية والتحوّط بإعداد خطط تنموية وإجراءات اقتصاديّة تتناسب مع قدرتنا المالية الواقعية بعيداً عن المنح والمساعدات التي يجب فقط توجيهها للإسراع في إنجاز المشاريع الاستراتيجية واستكمالها، وهذا كلام سليم من الناحية النظريّة، لكن هل باستطاعة الأردن أن يستغني عن تلك المنح التي تقدم له في المديين القصير والمتوسط في ظل التحدّيات المحليّة والإقليميّة الراهنة؟، لا شك أن الإجابة صعبة مع معطيات الوضع المُتأزم، فالمساعدات ومع كل أسف باتت أكثر أهمية في استقرار الاقتصاد الوطنيّ من أي وقت سابق.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock