أفكار ومواقف

ماذا سيختفي وماذا سيبقى بعد كوفيد 19؟

مؤكد أن الوباء سينحسر، لكن مرجح أن العالم لن يعود كما كان قبل الوباء. فما أمكن الاستغناء عنه، وما جرى التحذير منه، سوف يظل وإلى الأبد مستهدفا بالهجر والتخلي، وما استحدث من أعمال وبدائل وسياسات وطبق بنجاح سوف يظل مطبقا إلى الأبد! هذه سنة الحياة بالطبع وليس استنتاجا عميقا أو متفردا، لكن ما يمكن أن نضيفه ونشارك فيه جميعا هو محاولة الإجابة عما سيختفي ونتخلى عنه، وما سنتمسك به أو نضيفه إلى حياتنا وعالمنا.
يبدو واضحا أن منظومات أسلوب الحياة والتعليم والعمل والسفر تعرضت لتغييرات كبرى جوهرية ومهمة، وهذه التغييرات سوف تستمر، ويعيد العالم من جديد إدارة وتنظيم أعماله ومصالحه وفق هذه التغيرات، وبطبيعة الحال تصعد منظومة من القيم والأفكار المحيطة والمفسرة لاتجاهات العمل والحياة، مثل الفردية والمساواة والثقة.
إن أسلوب الحياة القائم على الوقاية والتقليل قدر الإمكان من التجمعات والحشود كان على الدوام موضع انتقاد، ونتذكر تحذيرات الأطباء وإرشاداتهم الصحية على مدى العقود الماضية في وسائل الإعلام وفي الندوات وفي المدارس والجامعات، والسلوك الصحي والاجتماعي السليم في الأعياد والأعراس والعزاءات، ونعرف جميعا من قبل كوفيد 19 ما كان يقوله الأطباء عن الاكتفاء بالمصافحة، وتخفيض المشاركة في الأواني، والتأكيد على النظافة وغسل الأيدي واستخدام السوائل المعقمة أو بدائلها المناسبة، مثل الصابون، وتلقينا جميعا منذ سنوات طويلة وفي جميع مراحل حياتنا إرشادات وحملات توعية كثيرة جدا حول التغذية الجيدة وممارسة الرياضة وضرورات التخفيف من الوزن، والاهتمام الإيجابي والسلبي بكل مهددات الصحة الشخصية والعامة وأسباب المرض.
وعلى نحو عام، فإن الإنسان ينشئ أفعاله المتكررة (العادات) وفي المناسبات (التقاليد) ويحكم على الأحداث والأفكار (القيم) وينشئ قواعد للتقييم والمراجعة والتصحيح (الأعراف) بناء على تجارب وأفكار كانت لها بداية أو مناسبة، هي عادات وتقاليد وقيم وأعراف لم تنشأ من العدم، ولا هبطت مستقلة على الناس، ولكنها محصلة تفكير واقتراحات ومبادرات، وبما أن الإنسان لا يحب (وربما لا يستطيع) أن يقرر في كل لحظة وفي كل مناسبة ما الذي يفعله، ولا يفكر أيضا تجاه كل حدث أو فكرة ويحاول تقييمها إن كانت صوابا أو خطأ، ضارة أو مفيدة، ولا يعرف أو لا يبحث في مواجهة كل مناسبة ليحدد القواعد والمنهجية التي ترشده في السلوك؛ فإنه بطبيعة الحال يلجأ إلى الأفكار والاقتراحات والمبادرات التي يعرفها من قبل أو المستخدمة والمجربة ليخرج نفسه من الارتباك والخطأ والإحراج.
تنتمي معظم، إن لم يكن جميع، عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وأعرافنا إلى الثقافة والمجتمعات الزراعية، وجميعها تدور حول التضامن والانتماء والمشاركة، فالزراعة أساسا عمل جماعي يقوم على التعاون والمقايضة والالتزامات المتبادلة، وفي ذلك يجد الإنسان الأهمية والأمان في الانتماء والمشاركة مع الجماعة المحيطة به، وهكذا تكرست كل العادات والتقاليد في الأفراح والأحزان والمناسبات والأعمال والمواسم والحياة بشكل عام حول الالتزام الجماعي والتناسق مع الجماعة، الدبكة مثلا تعكس العمل الجماعي المنسق والالتزام الدقيق، والجاهات والفاردات هما سلوك جماعي للحماية والالتزام والأمان، والعزاء والأعراس تعبير عن التزام الجماعة نحو أبنائها والتزام الأفراد نحو الجماعة، وكلمات الأغاني والأهازيج في الأعراس والموت والحزن والعمل تعكس هذه المعاني بدقة والتزام.. وهكذا فإنها لا تصلح في واقع الحال إلا في المجتمعات التي تزرع لأجل أن تعيش وأن تحسن حياتها، حتى الزراعة النقدية التي سادت الاقتصاد الزراعي منذ النصف الثاني من القرن العشرين لا تنتمي في الحقيقة إلى الثقافة والمجتمعات الزراعية والتقليدية التي عرفتها مجتمعاتنا والتزمت بها آلاف السنين، ربما أكثر من خمسة عشر ألف سنة، لكنها تنتمي إلى ما بعد الزراعة عندما صار العمل بما هو كسب النقود والمال هو أساس الحياة، .. وتلك قصة أخرى!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock