ترجمات

ماذا سيقول التاريخ عن ترامب؟

مات باي* – (الواشنطن بوست) 18/11/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، سواء كان ذلك عن طريق الإقناع أو بأمر من المحكمة أو بمرافقة عسكرية، سوف يحزم الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة متاعه ويغادر البيت الأبيض إلى الأبد، وسوف تكون إدارة ترامب تاريخاً.
فما الذي سيفهمه التاريخ عن الرئيس ترامب إذن؟
لست أسأل هنا عما إذا كان المؤرخون بعد 100 عام من الآن سيعتبرون ترامب رئيسًا جيدًا أم سيئًا. فالكتاب حول ذلك مغلق إلى حد كبير، وأتوقع أنه سيبقى على هذا النحو -بلا جدال.
إن السؤال الذي لم يتم حله هو: كيف سيفسر هؤلاء المؤرخون، مع الاستفادة من المسافة الزمنية، صعود ترامب وما الذي أفضى إليه. وأعتقد أنهم سيستنتجون أن ترامب عكس الحنين إلى لحظة أميركية من التراجع السريع -بينما يعطينا أيضاً لمحة عن اللحظة التي تنتظرنا في الأمام.
سوف يسجل التاريخ أنه منذ أواخر الثمانينيات، مع نهاية الإجماع الهش الذي صنعته الحرب الباردة، بدأت سياساتنا في الانقسام بسرعة. فبعد أن هزتهم التحولات الزلزالية في التكنولوجيا، وتركتهم الحركات الاجتماعية والأسواق العالمية في الخلف، فقد العديد من الأميركيين الثقة في المؤسسات الكبيرة -البنوك، والكنائس، ووسائل الإعلام، والجيش- التي كانت تشكل حجر الزاوية في حياة المجتمع.
ضربت الهزات المؤسسة السياسية عندما تحركت مجموعة من المشاهير والإصلاحيين -من أمثال روس بيرو، وجيسي فينتورا، وأرنولد شوارزنيجر- لاستغلال الضعف المفاجئ الذي أصاب أحزاب العصر الصناعي. ثم جاءت إطاحة باراك أوباما بالنظام الديمقراطي في العام 2008 -في إشارة إلى أن الشخصية والهوية حلتا أخيرًا محل الآلات الحزبية.
سوف تشير النصوص التاريخية إلى أنه بحلول العام 2016، كان الحزب الجمهوري الذي لا زعيم له مستعدًا لاستيلاء جسور على السلطة. وعبر ذلك الخرق دخل بائع متجول بارع وأحد مشاهير التلفزيون، ليلعب دور الملياردير المتوهج والشعبوي المناهض للمهاجرين.
ربما تبدو فكرة وجود ملياردير محافظ شعبوي متناقضة بطبيعتها للطلاب في القرن الثاني والعشرين، ولكن، في أميركا العام 2016، لم يكن التماسك الأيديولوجي فكرة قابلة للبيع بشكل خاص. كان ترامب فنان تسلية ماهرًا أرعب النخبة السياسية والإعلامية، وكان ذلك كافياً.
سوف يكتب هؤلاء الطلاب أن فترة رئاسة ترامب القصيرة كانت ملحوظة في الغالب بسبب ازدرائها للمعايير الديمقراطية للعصر. فقد تصرف ترامب مثل رجل قوي صغير أكثر من كونه رئيسًا أميركيًا -فتقاسم السلطة مع أولاده، وقام بتضليل الجمهور من خلال منصة رقمية بدائية تسمى “تويتر”، دافعاً الجماهير إلى المشاركة في مسيرات وتجمعات حاشدة من النوع الذي يُنظم من أجل الظهور التلفزيوني.
وقد نبعت سيطرته الدائمة على هؤلاء الجماهير -البيض والأقل تعليماً، وهي نسبة كبيرة من الناخبين- من وعد باستعادة الماضي. وباعتبار ترامب شخصاً مظلومًا مهضوم الحق دائمًا، فقط كان المتسابق الطبيعي الذي انتهت إليه العصا في سباق التتابع من الاستياء العنصري والاجتماعي والاقتصادي، من جورج والاس إلى ريتشارد نيكسون إلى رونالد ريغان قبله.
ومع ذلك، بحلول العام 2020، كانت الثقافة الأميركية تتحرك سريعاً وبلا هوادة نحو التوسع الحضري الشامل والمواقف الاجتماعية الأكثر تسامحًا التي جاءت معها. وسيكون من الواضح للمؤرخين المستقبليين، مع الاستفادة من الإدراك المتأخر والنظر إلى المشهد من بعيد، أن رئاسة ترامب كانت آخر التشنجات المعذبة لأيديولوجية محتضرة.
سوف يقولون إن ترامب شجع لفترة وجيزة القوى الرجعية التي تم تهميشها في الأعوام التي سبقت صعوده مباشرة. لكنه لم يستطع فعل أي شيء لعكس وجهة انزلاقها الطويل إلى الهوامش وفقدان الصلة، والذي سيكون في غضون بضعة عقود شبه مكتمل.
ومع ذلك، سوف يشير علماء القرن المقبل إلى أن رئاسة ترامب لم تكن مجرد مرآة رؤية خلفية مدربة على رؤية المكان الذي كانت فيه أميركا قبلاً. كانت أيضًا نوعًا من المصباح الأمامي، الذي ينير الطريق في الأمام.
لأنه، بعد ترامب، لن تكون السياسة الرئاسية أبداً الاختصاص الوحيد للأحزاب أو السياسيين المهنيين مرة أخرى. سوف يقول التاريخ إن خليفة ترامب، جو بايدن، لم يكن سوى تصحيح قصير المدى -أن الاتجاه نحو السياسة القائمة على الشخصية انفجر في الأعوام التي أعقبت ترامب، ما خلق مشهدًا سياسيًا غير منظم والذي لم تكن الأجيال السابقة لتميزه.
سوف يقولون إنه إذا كان القرن العشرين ينتمي إلى حزبين دائمين وأنصارهما، فإن القرن الحادي والعشرين كان ينتمي إلى سلسلة من “الحفلات المرتجلة” التي تتركز على المشاهير والرياضيين والنشطاء ورجال الأعمال.
سوف يلاحظون أن هذه الظاهرة بدأت بمرشحين، مثل ترامب، من الذين دبروا عمليات استيلاء مؤقتة على الأحزاب القائمة. ومع ذلك، في غضون 20 عامًا من خروج ترامب، فإن أمة صوتت الآن بمعدلات أعلى من أي وقت مضى -بفضل أوقات التصويت الموسعة، و، أخيراً، الاقتراع الإلكتروني- ستكون قد انتخبت أول رئيس من عدة رؤساء مستقلين، والذي لم يكن مقيداً بأي هيكل حزبي.
هل سيقول المؤرخون إن هذا كان شيئًا سيئًا؟ من الصعب التكهن بذلك.
هناك نسخة مما يمثله ترامب -الذات فوق الحزب، وغرابة الأطوار فوق التجربة التقليدية- والتي قد ترفع فعلياً من شأن سياساتنا في واقع الأمر. ثمة طرق يمكن من خلالها لزعيم مستقل ذي عقلية إصلاحية، متحرر من الأرثوذكسية الموروثة، أن يقوم في نهاية المطاف بتحديث الحكومة واستعادة الشعور بالهدف الوطني.
ولكن بعد ذلك، هناك النسخة الأكثر إثارة للقلق من رئيس مستقل قائم بذاته وينتمي إلى المشاهير -ديماغوجي يستغل الانقسامات؛ مستبد طموح يأخذ رضاه عن الذات الأسبقية على كل ما يخص الصالح العام.
إذا كان هذا هو المكان الذي نتجه إليه، فلن يواجه التاريخ مشكلة كبيرة في تعقبه إلى مصدره.

*كاتب عمود مساهم.
*نشر هذا الموضوع: What will history say about Trump?

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock