أفكار ومواقف

ماذا نقول للمستشرقين؟!.. أيّ حرَج!

كنت أقرأ شيئاً من الأدبيات المكتوبة في نقد الاستشراق، وبعضها كتبته أنا نفسي في مناسبات مختلفة. وفي الحقيقة، أصبح موقف انتقاد خطاب الاستشراق محرجاً جداً في هذه الآونة. أصبح أبعد ما يتيحه الوضع المخجل الذي أصبحت فيه “حضارتنا العربية الإسلامية” هو أن ينأى المرء بنفسه عما يحدث هنا، وأن يقول بلهجة المنذهل المتلعثم: “كلا.. لسنا نحن.. ليس كلنا.. ليس ديننا.. ليست أخلاقنا.. ليس حقيقتنا..”!
انتقد المفكر الراحل إدوارد سعيد خطاب الاستشراق، فقال: “الغرب يهتم بالشرق حضارياً (…) بدراسة الشرق كما يريد له أن يكون وليس كما كان.. فيصبح الشرقي ليس موضوع دراسة فحسب، بل موضع ضعف، بمعنى استبعاده من دائرة الرقي والتقدم وإقصاؤه إلى عالم التخلف والانحطاط”. ويستنتج سعيد أنه تم إنتاج الشرق في خطاب الاستشراق بحيث تكون أوصافه أنه: حسيّ، أنثوي، مستبد، إرهابي، غير عقلاني ومتخلف. في مقابل تمثيلات الغرب على أنه ذكوري، ديمقراطي، عقلاني، أخلاقي وتقدمي.
لعل بعضنا يتساءل في دخيلته الآن، ويخجل من البوح بحيرته لجاره: “هل ثمة تجنٍ حقاً في وصفنا -بما نحن فيه- بالحسية والأنثوية والاستبداد والإرهاب واللاعقلانية والتخلف، وغيرنا بعكس ذلك؟!”.
في محاضرة في العام 1991 للكاتب الترينيدادي ف. س. نايبول، الذي اشتغل باستشراق الإسلام، تحت عنوان “حضارتنا العالمية”، قال: “… أؤكد لكم، هدف العرب من فتح السند -وتم التفكير بذلك الغزو تقريباً بمجرد تأسيس الدين- كان دائماً حيازة العبيد والنهب، أكثر من كونه نشر الدين. وعندما تسلم الحجاج أخيراً رأس ملك السند، مع نحو 60000 من العبيد من السند، والخُمس السلطاني من غنائم السند، سجد وأدى صلاة الشكر، ركعتين لله”.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قالت “مجاهدة” (أنثى، وليس خطأ إملائياً) في مقالة كتبتها في مجلة “دابق” التي تصدرها ما تُدعى “الدولة الإسلامية”: “… وبذلك، بعد أسرهم، تم توزيع النساء والأولاد الأيزيديين وفقاً للشريعة بين مقاتلي الدولة الإسلامية الذين شاركوا في عمليات سنجار، بعد تحويل خُمس العبيد إلى سلطة الدولة الإسلامية، ليتم توزيعهم” كغنائم! كما يصلي مقاتل بعد اغتصاب طفلة عمرها 12 ركعتين قبل وبعد فعلته.
هل يستشرقنا نايبول، باعتبار ما كُنا، كما قال؟ أم تستشرقنا الأخت المجاهدة بما نحن (أو بما هو جزء منا إذا شئتم) هنا والآن؟!
في أحاديثنا الخاصة، نقول كثيراً لبعضنا بعضا: “أتدري، لجماعة داعش هنا بيننا أنصار ومعجبون أكثر بكثير مما يُقال”. وثمة سؤال مندهش نكرره نحن وكل المتابعين في العالم: “من أين يأتي هؤلاء البرابرة الوحشيون بكل هذا العدد من الأنصار والمتطوعين، وكيف كان كل هؤلاء مختبئين بيننا (أو في دواخلنا إذا شئتم)؟”. ويجيب البعض: “هناك كل هؤلاء الذين تُمنح لهم المنابر لترهيب الناس من الأرض وترغيبهم في السماء، وبالوعد بكثرة الجواري بالذات.. هناك كل أنظمة الاستبداد التي تقوي خطابها المرعب بتوظيف خطاب هؤلاء، أو حتى تفرض رسمياً ما وصفه العالِم الهندي المسلم الملتزم المتخصص في الإسلام وبالدفاع عن تنويره وتحديثه، إبراهيم موسى، بأنه “تحنيط الشريعة” -بمعنى الإبقاء على ما انتهى من العالم (الرق، واغتصاب “السبايا”، والجزية، وقطع الرؤوس) وأصبح جثة، بجعل الجثة تبدو حية بحفظها في الفورمالديهايد، كما يقول.
عاتبني أصدقاء -بحب- على ترجمة الحقائق المؤلمة جداً عن اغتصاب “مجاهدي” داعش للطفلات في سن 11 و12 عاماً من “السبايا”، لأن ما يحدث يثير الاشمئزاز. لكن ألم الحقيقة لا يلغي حقيقيتها، بل وحقيقتنا كلنا، ما دام هؤلاء جزءاً منا، ويُسندون أعمالهم إلى تعاليم هي جزء من “تراثنا وحضارتنا” -التي نريدها أن تكون عالمية؟!
أصبح دفاعنا عن “حضارتنا” في وضع حرج. ماذا نقول للمستشرقين؟ جاءت لحظة الحقيقة. ومع إدراكنا لما فعله الغرب ليضعنا -ويؤبدنا- في ما نحن فيه، فإننا نحن المعنيون بإعادة تعريف ماهيتنا وما نريد أن نكون. علينا، بعد كل هذا الدم والاغتصاب والقتل وخطاب التعصب، أن نختار: هل نظل نهفو إلى السماء -بحزام ناسف، باغتصاب قاصر، بطلقة في عرس أو مشاجرة في الشارع- أم نتعلم كيفية العيش في هذا العالم، في أرض الناس، ومع الناس؟!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مخاض
    انه مخاض حضاري، لعله جاء متأخرا .. ان غلبنا التشاؤم فسيعود بالجثة الى سبات دام مئات السنين و ان غلبنا التفاءل فنحن بحاجة الى درجات عظيمة من التضحية و العمل و الاجتهاد و جهاد النفس لنعبر.

  2. الاختصاص في الكتابة
    الحمد لله ان هناك من الغربيين من يفهمون الاسلام اكثر ممن يدعون الاسلام ،استدل الكاتب من مثالين مشوهين ومن شهادة شخص موتور اننا أمة من الهمج وعابدي الشهوات،والأمثلة هم الحجاج الظالم وداعش المنحرف اخلاقيا،لا يمكن فصل هذا الخطاب الذي يصدر في أفضل الحالات عن أشخاص ينتمون الى هوية مفككة تعيش على ردود الأفعال وتتأثر( ونحن هنا نفترض حسن النوايا) كما أرادوا لها ان تتغير وتتأثر،نقولها لكل العالم ان انتماءنا الى حضارتنا العربية الاسلامية هو المصدر الوحيد لعزتنا وفخرنا،وان كل ما يجري الان في الاوطان العربية البائسة هو حرب على الاسلام وثوابته في المقام الاول وان من يدعون الدفاع عن الاسلام في الجهر هم اول من يحاربونه في السر،مصيبتنا ان ما من يعرف ولا يعرف يصدر احكاما عن الدين،طبعا لا نجد هذه العبقرية في الكتابة عن الطب او الفيزياء مثلا لانه لا يعرف،اما الدين فربما قرا اقل من عشرة كتب وطبعا شاهد بعض البرامج الحوارية فأصبح مؤهلا لان يكتب في هذا الموضوع الشائك،الامم (التي تفهم )لا تبحث على ما يثبط عزيمتها في أوقات الضعف والهوان،وإنما تبحث ما تجده في تاريخها ما يبعث الأمل والعزيمة في أوصال الأمة،ترف خلق الفتنة يكون للأمم القوية المتماسكة وليس لدول يهزها مقال على الفيسبوك!!!!!!!

  3. عقدة الاضطهاد
    الاخ خالد صالح
    للكاتب ان يكتب كما يرى وليس كما ترى انت ……. وهوليس نسخة عنك ولن يكون لا هو ولا غيره فتخلى عن عقدة لاستنساخ التي تستوطن مليار ونصف منا
    اولا
    ثانيا
    الغرب الغرب الذي تشتمه يحارب الاسلام ؟؟؟؟؟؟؟
    وليس نحن
    الغرب الذي يشرع بوابه لنا لمساجدنا
    لمهاجرينا الذين بموتون في البحر
    لمتطرفينا الذين بجدون هناك حرية ما
    لمسلمينا العاديين الذين يجدون هناك املا وعملا
    الغرب الذي تشتمه يحارب الاسلام
    اما نحن فلا
    اي واحد من اي عصابة تافهه من عصابات التطرف التي تملا المكان يسيءللاسلام اكثر من الغرب عبر مئات القرون
    لا تشتم الغرب حاول ان تصير مثله ولو عشر بالمئة وكثر خيرك
    اما التخصص في الكتابة د
    فقد ولى زمن الاحتكار من زمن بعيد

  4. المراجعة العميقة
    المرتجعة العميقة للموروث الديني و تنقيحة من المشوبات التي مازلنا نقدسها هي الحل الوحيد لهذا.
    نتهم الغرب بتشويه الإسلام بينما بالحقيقة نحن من فعلنا ذلك و مازلنا نعيش على نظرية المؤامرة.

  5. الاسباب منا وفينا
    الامة الاسلامية تعيثش الان حالة من الخزي واكتشاف الذات الذليلة. باعمال داعش وغيرها من الجماعات الدينية نكتشف ونحس كم نحن امة منحطة.

  6. هل الغرب نظيف؟؟؟
    من يقرأ المقال يظن ان الغرب نظيفا بمعنى الكلمة ويبدو ان الكاتب لم يسمع بقذارة الامريكان في سجن ابو غريب والاغتصاب الذي قام به الانقلابيون في مصر في الشوارع فلماذا نرى الجانب الذي نريد ونتعامى عما نريد؟؟

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock