أفكار ومواقف

ماذا يخسر المجتمع بالأسواق المركزية و”المولات”؟

ربما يجب على كل دولة قبل اقتباس نظام أجنبي في الإدارة، أو العمارة، أو التعليم، أو التأمين الصحي، أو الضمان الاجتماعي، أو الأسواق المركزية، أو “المولات”… أن تتأنى كثيرا  قبل الإقدام على ذلك؛ أولا، لأن كل نظام فيها عبارة عن صيغة بارزة في خلفية ثقافية معينة. وثانيا، قد يكون لهذا النظام أو ذاك سلبياته في بلد المنشأ لا تبرر اقتباسه. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجب على الدولة المتلهفة للاقتباس والنقل، إما تعديل الصيغة لتتفق مع خلفيتها الثقافية الجديدة، وهو أمر ممكن، أو تعديل الخلفية الثقافية لتقبل الصيغة الجديدة وهو أمر شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلا. كما يجب عليها دراسة المشروع بعمق ومن جميع النواحي، فقد تفوق سلبياته وربما أخطاره، إيجابياته وأمنه.
خذ مثلا نظامي الأسواق المركزية و”المولات”، تجد أن المجتمع المقتبس يخسر اجتماعيا كثيراً بتبنيهما. ومن ذلك -مثلا- أنك كنت في أيام لامركزية التسوق؛ أي بالدكاكين والبقالات المجاورة، تذهب إليها مشيا على الأقدام، وتحمل مشترياتك بين يديك وتمشي، أو يحملها لك وتمشي وراءه الصبي أو الولد -ربما كان ابن صاحب الدكان أو البقالة- إلى البيت. وإذا لم تكف نقودك لدفع الثمن، كان صاحب الدكان أو البقالة يقول لك: “معلش، بكرة أو بعده بتدفع أو لما يصير معك”، وهكذا. كما كان عدد السيارات محدودا وموزعا، فكان الذهاب إلى الدكان أو البقالة آمنا. وكنت تعرف صاحبها وتلتقي فيها بالجيران وأبناء الحي، وتتحدث معهم، وتتعرف عليهم ويتعرفون عليك، وتصادقهم ويصادقونك؛ وبالتالي يصبح سكان الحي معروفين لبعضهم بعضا، ومجتمعا متماسكا وآمنا.
بالأسواق المركزية و”المولات”، خسر المجتمع كل هذا وأكثر منه. لم يكن الذين اخترعوها يتصورون مسبقا هذه الخسارة إلا بعد سيطرة الأسواق و”المولات” على حياة الناس. فالمجتمعات المحلية المتماسكة لم تعد محلية متجاورة ومتماسكة، وإنما مجتمعات غريبة. بل إن أفرادا وأسرا في الحي صاروا لا يعرفون بعضها بعضا، فهم في السوق أو “المول” غرباء، وإن كانوا سكنيا متجاورين و”الحيط بالحيط” أو “الباب بالباب”. وبذلك، تنقطع صلات الجيرة والود والوئام والسلام بين الناس. كما أنه وأنت داخل هذا السوق أو “المول” لا تتكلم سوى مع نفسك أو مع من تصحبهم أو يصحبونك، ولا تعرف البائع، وكأن كلا منكما غريب عن الآخر أو أجنبي؛ فالعلاقات سريعة الزوال.
وطالما أن الجيران غرباء، فتسهل السرقة وخلع النوافذ، ويكثر المتطفلون والمعاكسون في الجوار؛ إذ لا يهتم أحد من الجيران بما يحدث في الشقق المجاورة أو البيت المجاور. لقد خلع اللصوص شباك المطبخ بالعتلة ودخلوا الدار نهارا جهارا، وسرقوا كلّ ما غلا، وغادروا والجيران الذين يفصلهم الجدار عن الدار جالسين على “البرندة” المقابلة لها، يسمعون الخلع ولا يفكرون.
أما النتيجة السلبية الأخرى، فاختفاء تلك الدكاكين والبقالات من الحي بالتدريج، لانصراف الجيران عنها إلى السوق المركزي أو “المول”، وتراجع مبيعاتها وعجزها عن تغطية كلفتها. صار عليك اقتناء سيارة مهما كان وضعك المادي أو وضعها، للذهاب للتسوق (التظاهري في كثير من الأحيان)؛ فازدحمت الطريق والمكان بالسيارات، وصار الذهاب إلى هناك بطيئاً وخطرا. لو حسب الناس كلفة الوصول والعودة إلى السوق أو “المول”، لوجدوا أن الشراء من الدكان المجاور أو بقالة الحي أقل ثمنا وأقل تكلفة وجهدا ووقتا، وأكثر أمناً.
ومن السلبيات أيضا، تراجع توزيع الثروة بين المواطنين، كما كان عليه الأمر في السابق أيام انتشار الدكاكين والبقالات في الأحياء وبين السكان. فقد تركزت الثروة التي كانت موزعة، في أيدي القلة من مالكي الأسواق و”المولات” الذين صاروا يسيطرون على السوق ويتحكمون فيها عرضا وسعرا، كما أخفت الأسواق و”المولات” الحقيقة الاجتماعية عن العيون، فمن يتردد عليها يظن أن البلد في نعيم مقيم.

تعليق واحد

  1. هناك اسبابا اخرى
    ما اصاب المجتمعات من تمزق في علاقاتهم وتقوقع في احوالهم ،لم يكن بسبب ما حصل من التوسع التجاري بوجود هذه المولات وتعدد اغراضها ، نعتقد ان هذه المولات لما تقدر عليه في سعتها الهائلة حيث يلتقي اعداد كبيرة من الناس فيها تساعد كثيراً فيه تلاقي الناس بعكس الدكاكين التي كان المشترون يصطفون خارجها لشراء حاجياتهم ، هذا غير ما نشاهده من نشاطات اجتماعية وحفلات فنية تقيمها ادارات هذه المولات في المناسبات الوطنية والأعياد .
    ننتظر من الأستاذ الكاتب وكل علماء الإجتماع واساتذتها ان يبحثوا عن اسباب تشرذم وتوقع هذا المجمع على نفسه ،الى حد التفرد والحياد

  2. استنتاج غير موفق
    مع احترامي لراي الكاتب، لكن التوصل الى مثل هذه الاستنتاجات يحتاج بالعادة الى دراسة أولية كي يتم دعم الاستنتاج بالأرقام…… عدا ذلك فهو مجرد رأي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock