أفكار ومواقفرأي رياضي

مارادونا.. “العملاق القصير”

أذكر أنني بدأت بمتابعة أخبار كرة القدم مطلع الثمانينيات، حين كنت في الرابعة عشرة من عمري.. كان ثمة نجوم عالميون أتابع أخبارهم من خلال شاشة التلفزيون “أبيض وأسود”، أو الصحيفة التي لم يتجاوز ثمنها خمسة قروش آنذاك.. كان التلفزيون الأردني رائدا في ذلك الوقت ويبدع في بث المباريات والبرامج الرياضية، وكان صوت أستاذنا محمد جميل عبدالقادر -متعه الله بالصحة والعافية- يصدح عاليا عبر التعليق أو عرض البرامج.
في تلك الفترة، كانت ثمة أساطير كروية أبرزها البرازيلي بيليه والألماني بكنباور والهولندي يوهان كرويف وآخرون، أنهت مشوارها لكن أسماءها بقيت خالدة في أذهان المتابعين، وفجأة برز عملاق قصير القامة شديد المهارة، جعل العالم يسأل سؤالا لم يحصل على إجابة له حتى اللحظة.. لم يستطع أحد أن يجيب عن سؤال “أيهما أكثر مهارة.. بيليه أم مارادونا؟”، ذلك أن الأخير فرض نفسه نجما أسطوريا رغم الفضائح التي رافقته في مشواره، ومعاناته المتكررة من الإدمان على المخدرات والمنشطات والكحول.
رحل النجم الأسطورة مارادونا تاركا خلفه إرثا كرويا محترما، فهو بحق كان فريقا في لاعب واحد، نجح في جمع المجد من أطرافه كافة، وشكل ظاهرة كروية نادرة من حيث القدرة على صنع الإنجازات الفردية والجماعية مع الأندية والمنتخب الأرجنتيني، وترك خلفه سؤالا آخر لم يستطع أحد الإجابة عنه بعيدا عن العاطفة.. كان السؤال هذه المرة “أيهما أكثر مهارة.. مارادونا أم مواطنه ليونيل ميسي؟”.. صعبت الإجابة ورأى البعض أن اللاعبين يتشابهان في كثير من مواضع المهارة، لكن سجل الشرف خلد اسم مارادونا في كأس العالم، وهو أمر لم يستطع ميسي تحقيقه بعد.
في العام 2015، كنت حاضرا لمؤتمر ومنتدى سوكريكس في البحر الميت.. كان النجم الأسطورة دييغو مارادونا حاضرا.. كان نجم المنتدى ومحط أنظار الكاميرات والضيوف الذين تسابقوا على التقاط الصور التذكارية معه، لكن الرجل الراحل لم يكن بتلك الصحة والرشاقة التي كان عليها حين كان يداعب الكرة ويستعرض مهاراته وهو يربط حذاءه في الوقت ذاته.
ظهرت أسماء كبيرة ما يزال بعضها يلعب حتى اليوم، وغادرت أسماء كثيرة المستطيل الأخضر وبعضها رحل عن الدنيا، لكن التاريخ سيبقى يحفظ تلك اللحظات الخيالية والجميلة التي كان فيها العملاق مارادونا “ينطط” الكرة ويتلاعب بها وبخصومه في آن واحد، بغض النظر عن المشاهد السلبية التي رافقت مسيرته وجعلته لاعبا ناجحا ومدربا فاشلا، لكنه أحد ثلاثة لاعبين لا يختلف العالم على مدى براعتهم وسحرهم الكروي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock