أفكار ومواقف

ماركيز والتطبيع وعلي جمعة

بلغة طازجة يستعيد فيها لوركا الغرناطي، وصور يبنيها كرسام عوامٍ في شوارع باريس القديمة، يقترح علينا غابرييل غارسيا ماركيز رحلة على متن كتبه، ولكن شريطة أن لا نتوقع شيئا.
المهمة أكثر من صعبة؛ فصعود الشخصيات في الأعمال الأدبية وتطورها يمكن للمتمرسين توقعه. لكن ذلك سيكون عند كتّاب آخرين، وماركيز ليس منهم.
عبقريته الحقيقية، كما قال ذات يوم، “موجودة في جذوري ببيت أركاتيكا بين النمل وحكايات الجد والجدة، على أرض كولومبيا في أميركا اللاتينية”.
غير أنني أستذكر ماركيز لسبب آخر. ففي وسط اتهامات بالتطبيع، وأخرى تحاول وقف جميع أشكال التعاون واللقاء مع العدو الصهيوني، لا بد أن يطل رأس ماركيز في ليل العتمة العربية، ليعطينا درسا في كيفية انحيازنا الكامل لقضايانا.
في العام 1982، نال ماركيز جائزة نوبل للأدب عن روايته الساحرة “مائة عام من العزلة”. ولكنه حين وقف على منصة التكريم، إنحاز إلى المهمشين والمقموعين والمحزونين في العالم، ولم ينسَ أن يسمي القتلة وأن يشير إليهم.
يومها، سخر من بعض الذين تم تكريمهم بالجائزة نفسها التي نالها هو، فقال: “إنه لمن عجائب الدنيا حقّاً أن ينال شخص كمناحيم بيغن جائزة نوبل للسلام تكريما لسياسته الإجرامية التي تطورت كثيرا خلال الأعوام الماضية على يد مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة”. وقال أيضا: “الموضوعية تفرض علينا الاعتراف بتفوق الطالب النجيب أرئيل شارون على الجميع”. ولم ينسَ كذلك، أن يطالب بترشيح شارون لـ”جائزة نوبل في القتل”. كان ماركيز متواضعا، كعادته، عندما خاطب الجميع بحياء قائلا: “إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل”.
ماركيز، وهو على منصة عالمية قيل الكثير عن خضوعها الجزئي لسلطة اللوبي الصهيوني العالمي، لم يتردد في إعلان تقديره الكامل لبطولة الشعب الفلسطيني، وعن تأييده لهذا الشعب الذي يقاوم الإبادة الصهيونية التي فرضت عليه بتواطؤ عالمي وإقليمي.
كان صادقا مع نفسه، فلم ينع ضحايا “أوشفيتز” و”بلزاك” و”سوبيبور”، ولا سارع إلى طرح مبادرة بـ”الحوار” بين القاتل والضحية، فقد كان ينظر بعينيه الحقيقيتين إلى مجزرة ممتدة، ضحيتها شعب بأكمله، على يد عصابات تسللت في غفلة تاريخية لتقيم على الأرض العربية دولة لمملكة وهمية، ولجنس لا نظن أنه تبقى منه أحد، وبناء على “وعد وهمي” لم تؤمن به إلى يومها سوى أم الإمبريالية العالمية العظمى بريطانيا.
ما كان لماركيز أن يغفل ضميره الإنساني، وهو الأديب الذي نثر أحلامه ورؤاه للعالم كله. كان الأجدى بمفتي مصر علي جمعة أن ينحاز إلى ضميره الإنساني أولا، ثم إلى منصبه كواحد من الذين قد يقتدى بأفعالهم ما دام مؤهلا لتبيين الحلال والحرام للأمة بأكملها. كان الأجدى بالمفتي أن يتقي الله في فلسطين وفي أهلها، وأن لا يمنح شرعية للاحتلال بزيارته القدس التي يصر الصهاينة على أنها “عاصمة أبدية لإسرائيل”.
هل كنت تعلم ذلك قبل القيام بخطوتك الأولى أيها المفتي؟
طوبى للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.. فهو من تلمس جرحنا.

كل الحقوق محفوظة. لا يجوز دون الحصول على إذن خطي من الناشر استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كلياً أو جزئياً بأي شكل وأي وسيلة تحت طائلة المسائلة القانونية. ويسمح استخدام المواد الإخبارية فقط شريطة ذكر الغد بوصفها المصدر.

تعليق واحد

  1. الصلاة التي لا تنهى عن المنكر
    من المعروف أن الصلاة في الاسلام هي وسيلة للنهي عن الفحشاء والمنكر ،فلا يجوز للمسلم ان يذكر الله وفي نفس الوقت يرتكب المعصية .والمعصية هنا هي أن نقر باحقية الاحتلال أن يعطي لنا الإذن بالزيارة بينما هذا العدو يفرغ تلك الأرض من اهلها. فانا كفلسطيني مثلا ، ممنوع من زيارة الاقصى ، بينما يسمح لغيري بزيارتها شريطة عدم الحديث عن الاحتلال .هذه معادلة سيئة للحقوق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock