أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

ماهر أبو طير يكتب: المحنة التي أعادت للدولة مكانتها

الذي خسرته الدولة الأردنية من مكانتها خلال عشرة أعوام منذ 2010 الى 2020 من بدء الربيع العربي وما تلاه، تم استرداده خلال أربعة أيام فقط.
والقصة هنا ليست موسما للمديح، ولا النفاق، فهذه هي أدوار الدولة، أي دولة فاعلة، وهذا هو واجبها، لكنني أتحدث عن مناخات اليأس والتشكيك والتذمر والإشاعات والأكاذيب وتحطيم سمعة المؤسسات والأشخاص، خلال الأعوام القليلة الماضية، الى الدرجة التي كنا نقول فيها إن الدولة غائبة، وإنها هشة وضعيفة، وتحت أجهزة الإنعاش، وغير موجودة، ولم نترك شيئا الا وقمنا بتشريحه عشرات المرات.
تتنزل أزمة الوباء، فتظهر الدولة بكل قوتها، وتسترد موقعها، ومكانتها، ليس لكونها الطرف الوحيد المؤهل الذي يقدم الخدمات، لكن لكونها الطرف الذي أدار الأزمة جيدا، كل مؤسسات الدولة عملت بشكل ممتاز، وقد استفقنا على الأردن الذي نحب أن نراه، سواء أداء الحكومة أو الجيش أو الأمن العام، وبقية المؤسسات، وتصرفات الناس التي كانت إيجابية الى حد كبير، ووجود الملك في المشهد بطريقة تثبت الاستقرار، وتمنح المؤسسات المساحات لتنفيذ واجباتها الأساسية المطلوبة منها.
ليس أدل على ذلك من أن بلدا مدينا وفقيرا وبلا موارد، ويعيش على المساعدات والقروض أنزل مواطنيه في فنادق خمس نجوم، وقام بتأجيل أقساط البنوك، والضرائب، وأغلق المدن، وأطلق سراح سجناء، ولم يفرط في استعمال قانون الدفاع، وغير ذلك من إجراءات متسارعة ومتتالية تثبت أن هناك دولة لا نريد لها أن تغيب بعد هذه المحنة التي نراها في العالم، ومن حقنا أن نطلب أن نتجاوز معا المناخات الصعبة منذ الربيع العربي، وحتى يومنا هذا، ونعيد ترتيب كل أوراقنا.
هذه الأزمة أعادت ثقة الناس بالدولة، وانخفضت جدا موجات اللوم والتجريح، وربما اكتشف الناس أن لديهم ما لم يكونوا يرونه في الأيام العادية، وهذا يفرض أربعة ملفات على أولويات الدولة من حيث المبدأ؛ أولها الاستفادة من حالة عودة الثقة والاستثمار فيها بعد نهاية الأزمة، وطي ملفات كثيرة كانت تثير جدلا وخلافا، وإعادة النظر في السياسات والأشخاص وطريقة إدارة الأمور، وثانيها إعادة تقييم القرارات التي تم اتخاذها من أجل تخفيف الكلف على الأفراد الذين تضرروا أو قد يخسرون أعمالهم بسبب إغلاقات القطاع الخاص، إضافة الى الأفراد الذين يعيشون من العمل اليومي، ومراجعة قوائم منع العمل مثل محلات الصرافة وأدوار البنوك، وبعض المهن المساندة للمهن التي تم تركها فاعلة، وثالثها الاستعداد لاحتمال قلة الواردات المالية على الخزينة بسبب الإجراءات التي تم اتخاذها وتأثير ذلك على الموازنة والمدفوعات المطلوبة من رواتب وغيرها، ورابعها إعادة تقييم كل تعريفات الأشخاص والمؤسسات، خصوصا حين يبخل البعض على الأردن بالمال في هذه المحنة، بعد أن عاشوا واستفادوا من هذا البلد بطرق كثيرة.
هذا ظرف لا بد أن نتعلم منه الكثير، فهو ليس مناسبا للنفاق الرخيص والتسحيج الغبي، مثلما أن هذا الظرف ليس مناسبا لطعن البلد في ظهره بالإشاعات وكثرة الكلام السلبي، وإذا كان لدينا مركز فاعل للقرار كما ثبت في هذه الأزمة، فإن الملفات الأربعة التي أشرت اليها سابقا، لا بد أن تحظى باهتمام خاص، حاليا ولاحقا، من أجل أن نخرج من هذه الأزمة بأقل الكلف على الجميع، على مستوى استقرار البلد، والأفراد، فهذا ميقات تحول بكل المعاني.
علينا التنبه أيضا الى أن الوباء يضرب الاستقرار العالمي، على مستوى الاقتصاد، وهذا يترك أثرا على دول ثرية وعظمى، ومن الطبيعي أن نتأثر هنا، لكن ما يزال الوقت متاحا للتخفيف من هذه الكلفة، قدر الإمكان، رغم أن اقتصادنا بسيط، ويعاني من إشكالات المديونية ومشاكل البطالة، والفقر، وقلة المياه، وقلة الإمكانات وغير ذلك، إلا أنه قدم نموذجا لافتا للانتباه الى حد كبير في هذه الظروف القاسية.
ما يمكن قوله بكل صراحة إن ما نراه حقق مصالحة كبرى بطريقة غير متوقعة، وهي مصالحة ستثبت جذروها في الأرض عميقة، اذا تخلصنا من فكرة الأزمة المؤقتة، وخرجنا بالدروس والعبر، واستثمرنا في الأعوام المقبلة بشكل صحيح.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock