أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

ماهر أبو طير يكتب: فقراء على شاشات التلفزة وصفحات الصحف

البرامج الإنسانية في الاعلام، تتعرض دوما الى هجمات ناقدة، على الرغم من أهميتها، الا ان الجمهور لا يرضيه شيء، وكل مرة يريد ان ينتقد فقط.
الاعلام الإنساني، يحقق غايات كبيرة، اقلها تحريك دوائر المجتمع الغافية، التي تتعامى عن وجود الفقراء، وقد كان لي ولغيري في الأردن، شرف الكتابة عن حالات الفقر واليتم، او بث برامج عبر شاشات التلفزة، وكل الصحف الأردنية اليومية كان لها دور في هذا الصدد، إضافة الى محطات الإذاعة والتلفزة.
كنت الاحظ دوما ان هناك من يريد ان ينتقد فقط، فلو تعامى الاعلام عن الحالات الإنسانية، لخرج من يقول ان الاعلام نائم وغائب، ولأنه اعلام يعتمد على الصورة والكلمة والتأثير العاطفي إضافة الى صدقية المعلومات، فقد كان يتعرض الى نوع آخر عند نشر حالات إنسانية، او بث حلقات، فيخرج أيضا من يقول لماذا تشهرون بالعائلات، وتنشرون صور الايتام، او الأمهات وغير ذلك، وفي حالات كان الإعلام يلجأ الى طريقة أخرى، أي نشر الحالة الإنسانية، او بثها عبر التلفزة، مع تضليل الوجوه، والتعمية عليها باللون الأسود، او الرمادي، حفظا للعائلة، فيخرج أيضا من يقول، انه لم يتأثر معنويا، لأنه لم ير انفعالات الفقراء والايتام ؟!.
قد اتفق مع الناقدين، بشأن حرمة نشر صور العائلات في حالات الحملات الإنسانية التي يتبرع عبرها اغنياء او مؤسسات او حكومات لبيوت فقيرة، فهذا امر محرم حقا، ولا يجوز التشهير بسيدة وهي تتلقى طردا غذائيا، لكن في قصة الاعلام الامر يختلف تماما، لان مهمة الاعلام قائمة على المكاشفة والتأثير، فكيف سيحدث التأثير اذا كانت العائلة لن تظهر في الصحيفة، او عبر التلفزة، وقد جربت سابقا في مرات ان اتجاوز كل القصة، فلا انشر صورة وجوه الأطفال، ولا حتى تضليل الوجوه، واقوم بنشر صور البيت في وضع سيء جدا، فيخرج أيضا من ينتقد ويقول، اين هي العائلة، ولماذا تخفون الحقيقة، وتتعمدون إخفاء المعلومات عن الناس؟!.
كل ما يفعله الاعلام يتعرض الى النقد، على الرغم من ان الغاية هي تحريك الجمهور، ولا يثير الاعصاب حقا، الا أولئك الذين يقولون ان من المستحيل ان توجد حالات هكذا في الأردن، ويشعرون بمس مشاعرهم المرهفة، هذا على الرغم من انني وغيري، وجدنا عائلات ذات زمن تسكن في مغر وكهوف، ووجدنا أطفالا ايتاما، يتعرضون للضرب والتربيط بالسلاسل، فهذا مجتمع تجد فيه الخير والشر.
تذكرت كل هذا الكلام، وانا اقرأ حملات النقد لبرنامج “قلبي اطمأن” الاماراتي الذي يقدمه شخص يدعى غيث، والرجل اخفى وجهه حتى لا يقال انه يبحث عن شهرة، فتناسى البعض ذلك وامسكوا بعنق الرجل ليسألوه لماذا تنشر وجوه الناس، ولو اخفاها لقيل له، اين هي الحالة، او العائلة، وكأن تحطيم محاولات تحريك المجتمعات المحلية، امر له جدوى، فهذا افلاس حقا، ان نواصل النقد، ونبحث كل مرة عن سبب لطعن الاعلام الإنساني، تارة عبر اتهام الصحف او الإعلامي انه يبحث عن شهرة، وتارة عبر اتهام الصحفي او الإعلامي انه يشهر بالعائلات، وتارة عبر اتهامه بنقص العمل من ناحية مهنية عبر إخفاء تفاصيل العائلة ووجوه افرادها.
ما هو اهم ان نفصل هنا، بين وظيفة الاعلام القائمة على نشر المعلومات والمكاشفة والتأثير، مما يضطر الاعلام الى اللجوء الى التصوير والمؤثرات وغير ذلك من اجل تذكير الناس بواجباتهم تجاه الفقراء والمساكين، ووظيفة الجمعيات الخيرية والمتبرعين والحكومات التي لا يحق لها نشر الصور، او التباهي بصور الطرود مع العائلات وغير ذلك، فالحالتين تختلفان عن بعضهما البعض تماما .
في الأردن عشرات الاف الأشخاص يعملون بصمت بعيدا عن الاعلام، في العمل الخيري والاغاثي، والامر ذاته في الدول العربية والإسلامية، وهذا يعبر أساسا عن عجز الحكومات وتركها للفقر ليتعاظم، فيما دور الاعلام هنا، طرق البوابات، ليقول للناس ان هناك أزمات ومشاكل، عبر التطرق الى حالات محددة، يكون أصحابها الذين وافقوا على نشر صورهم، ابطال أيضا، لانهم ضحوا بسمعتهم الشخصية، من اجل ان يستيقظ المجتمع من نومه، وسباته العميق، لكن استمرار الطعن بكل ما يفعله الاعلام، يبدو سلبيا وعدميا، الى الدرجة التي لو توقف فيها الاعلام عن نشر هذه الحالات تحت وطأة النقد، فسيكون لحظتها قد جنب رأسه الصداع، لكنه خان مهمته الأساسية، أي كشف الواقع الصعب والقبيح، وتحميل كل واحد فينا مسؤوليته الدينية والأخلاقية تجاه غيره، فهذه شهادات حق، يفترض ان تثمر تجاوبا وتعزيزا للعمل الخيري، وتحريكا لكل نفس طيبة ان تنفعل بالعمل لأجل غيرها.
ليت كان الامر مثاليا، فحصل الناس على حقوقهم، بدلا من كل هذه القصة، وتم تأمينهم بحياة كريمة، من الحكومات والناس، ولا احد يحب التشهير بطفل، لكنها الحقيقة المرة، فالكل يتفرج، فاذا ذكرتهم بالواقع، غضبوا وبحثوا عن سبب لنقد ما تفعله، بدلا من يقظة الضمير إزاء ملف الفقر بكل تداعياته، فلا نكون بحاجة الى اعلام انساني في الأساس، مادام كل انسان يحصل على حقه في الحياة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock