حياتناكورونامنوعات

ما أسباب الإقبال الملحوظ على تعلم اللغات خلال فترة الإغلاق؟

عندما فرض الإغلاق العام للمرة الثانية في بريطانيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كنت أتعلم فك طلاسم لغة قديمة كانت معروفة في مناطق أواسط الأناضول قبل نحو ثلاثة آلاف عام.

وقد لا يكون تعلم هذه اللغة المنقرضة، التي كان يتحدث بها اللوفيون، خياراً مألوفاً، خصوصاً وأن ما بقي منها اليوم عبارة عن رموز غامضة محفورة على آثار صخرية متناثرة. لكن تبين أن قضاء بضع ساعات في الأسبوع في فك هذه الرموز تحت إشراف خبير طريقة سحرية للتخلص من التوتر.

كنت قد التحقت بدورة لدراسة هذه اللغة قبل الإغلاق بفترة وجيزة، وبعد كل درس كنت أشعر أن ذهني يحلق بعيداً عن المخاوف التي لا تنتهي والمتعلقة بوباء كورونا، وأنه حر في التجول والاكتشاف، على الأقل في الأمسية التي تعقب الدرس.

وعلى الرغم من الغموض الذي قد تبدو عليه اللغة، إلا أن رغبتي في استكشاف لغة أجنبية كانت متماشية مع الاتجاه الرائج في عام 2020.

فخلال الإغلاق العام الأول في شهر مارس/آذار ارتفعت أعداد مستخدمي التطبيقات الخاصة بتعلم اللغات مثل “دوولينغو” و”ميمرايز”، و”روشيتا ستون” بشكل ملحوظ، وفقاً لبيانات الشركات المالكة لهذه التطبيقات.

وأعلن تطبيق “دوولينغو” عن زيادة هائلة في عدد مستخدميه بلغت 300 في المئة.

وتراجعت هذه النسبة بشكل عام خلال الصيف، إلا أنها شهدت طفرة أخرى خلال مع عودة إجراءات الإغلاق. وفي حين كانت الإسبانية والفرنسية والألمانية اختيارات رائجة للدراسة خلال هذه الفترة، فقد أقدم البريطانيون أيضاً على تعلم لغات أخرى عديدة.

وارتفع الإقبال على تعلم الويلزية والهندية على سبيل المثال، وكان تنشيط الذهن، والاهتمامات الثقافية والروابط العائلية من العناصر المحفزة لتعلم لغات جديدة، كما أدى الفضول الثقافي والمعرفي إلى ارتفاع شعبية اللغة اليابانية.

ومن بين جميع الهوايات الجديدة التي تبناها الناس منذ انتشار الوباء، من إعداد المخبوزات في المنزل إلى كتابة سيناريوهات سينمائية، فإن تعلم لغة جديدة يبدو خياراً غريباً حقاً، فالعالم بأسره مغلق فعلياً، والسفر الدولي محظور تقريباً.

وحتى بالنسبة للذين يأملون في أن يؤدي تعلمهم لغة جديدة إلى تحسين آفاق حياتهم المهنية، فسوق العمل لا تزال غير مستقرة، كما أن البعض منهم ليسوا في مواقع تسمح لهم بتغيير مهنهم.

لكن الاتجاه إلى اللغات قد يكون قادراً وبشكل فريد على ربطنا بشيء يتوق الكثيرون إلى الشعور به مرة أخرى.

اللغة اللوفية
التعليق على الصورة،قد لا تبدو دراسة لغة منقرضة خياراً مألوفاً لهواية جديدة، لكن التأثيرات الإيجابية لتعلم أي لغة جديدة كانت واضحة بشدة خلال الفترة الأخيرة

ويبدو أنه خلال الأشهر الأخيرة، كان كثير من البريطانيين أيضاً يلجأون إلى تعلم اللغات كوسيلة لمساعدة أنفسهم للتخلص مما يؤرقهم.

وتقول فيكي غوف، المستشارة لدى المجلس الثقافي البريطاني لشؤون المدارس، الذي يركز على العلاقات الثقافية والفرص التعليمية: “خلال فترة الإغلاق، لم يكن بإمكاننا السفر، وألغيت الإجازات، لذلك أعتقد أن الناس كانت لديهم لهفة بعد إلغاء إجازاتهم ورغبة بتذوق نكهة بلد آخر وهم في منازلهم”.

وقد تكون عوامل عاطفية أعمق لعبت دوراً في ذلك. وبينما اجتاح وباء كورونا العالم وحطم المسلمات القديمة، رأى البعض أن الآوان قد حان للتعامل مع أهداف الحياة التي أهملت وتم تناسيها لفترات طويلة.

ويشير استطلاع رأي أجراه المجلس الثقافي البريطاني مؤخراً حول تعلم لغة أجنبية إلى أن العديد من البالغين في المملكة المتحدة يعتبرون أن عدم معرفتهم لغة أجنبية مدعاة للأسف، في حين قال تسعة في المئة فقط من الذين استطلعت آراؤهم إنهم حافظوا على معرفتهم باللغة الأجنبية التي تعلموها في المدرسة.

وكشف 64 في المئة أنهم كانوا يتمنون لو أنهم فعلوا ذلك. وربما يكون الوباء قد أنعش هذه الرغبة المكبوتة.

وتقول جولييت ووترز، التي تبلغ من العمر 58 عاما وتقاعدت من العمل كمُدرسة وتعمل هي وزوجها في مجال النوافذ في يوركشاير، إنها لطالما كان لديها حلم التحدث بلغة أجنبية، وقد تعزز هذا الحلم بسبب الأطفال الذين علمتهم والذين كانوا يتحدثون عدة لغات، ومنهم فتاة تتحدث البولندية والصينية في المنزل والإنجليزية في المدرسة.

وتقول ووترز: “كنت دائماً مبهورة بالأطفال الصغار الذين يمكنهم في قاعة الدراسة التنقل من لغة إلى أخرى، ولطالما تمنيت أن أتقن لغتين”.

وفي عام 2019 قامت ووترز برفقة زوجها برحلة بحرية حول العالم، وقابلا خلالها أشخاصاً من بلاد عدة، كانوا جميعاً يتحدثون الإسبانية. وشعرت ووترز أن تعلم الإسبانية سيكون شيئاً رائعاً، لاستخدامها مع الأصدقاء الجدد وفي اسكتشاف إسبانيا.

وعندما فرض الإغلاق في بريطانيا وجدت نفسها تعمل من المنزل، وليس هناك أي زوار ولا فرص للخروج من المنزل، فأقبلت على تنفيذ خطتها لتعلم الإسبانية، وتخصص لذلك ساعة يومياً بعد تناول الإفطار منذ أبريل/نيسان.

وغالباً ما تدرس ساعة إضافية لاحقاً خلال اليوم، وتستخدم في ذلك الكتب والاسطوانات المدمجة، وقد تمكنت من كتابة رسائل التهنئة بعيد الميلاد بالإسبانية لأصدقائها الجدد، وتأمل بالتدريب على ممارسة اللغة بالحديث معهم عبر سكايب.

وتقول ووترز: “لقد شغلني ذلك، وحافظ على نشاط ذهني”. لكن هذه التجربة غيرتها أيضاً على مستوى أعمق، وجعلتها تدرك أن هناك أشياء أخرى ترغب في تحقيقها. وهي تفكر الآن في البدء في دراسات عليا في المسرح الغنائي، وتقول عن ذلك: “مجرد أنني ما زلت قادرة على التعلم، وأنني أستمتع بذلك، كان بمثابة اكتشاف بالنسبة لي”.

وفي الواقع، أظهرت أبحاث أن دراسة لغة جديدة يمكنها تحفيز الدماغ وتنشيط التفكير الإبداعي، بغض النظر عن مستوى إتقان الطالب للغة.

قامت جولييت ووترز وزوجها برحلة بحرية في عام 2019، تعرفا خلالها على أصدقاء جدد يتحدثون الإسبانية، وهذا ما دفعها إلى تعلم هذه اللغة خلال فترة الإغلاق
التعليق على الصورة،قامت جولييت ووترز وزوجها برحلة بحرية في عام 2019، تعرفا خلالها على أصدقاء جدد يتحدثون الإسبانية، وهذا ما دفعها إلى تعلم هذه اللغة خلال فترة الإغلاق

وبحسب بينسي وول، أخصائية اللغات في جامعة كلية لندن والمؤلفة المشاركة لتقرير الأكاديمية البريطانية عن الفوائد المعرفية لتعلم اللغات، فإن تعلم لغة جديدة “من شأنه أن يجعلك أكثر مرونة في التفكير، لأنك تبدأ في تخيّل كيفية قول العبارات بطريقة مختلفة بتلك اللغة”.

ويمكن لهذه المرونة أن تحسن مستوى معرفتك حتى بلغتك الأم. وتؤكد وول على أن الآثار الإيجابية تبدأ بالظهور خلال التعلم نفسه، وهي غير متعلقة على الإطلاق بسرعة تعلم الشخص وتقدمه في معرفة اللغة.

وتقول: “هذا لا علاقة له بأن يكون مستواك عظيماً في تعلم لغة أخرى، لكنه يتعلق بالأساس بمجرد تعلمك للغة جديدة”.

وبالنسبة لسوني تشاترز (19 عاما)، وهو ممثل وطالب فلسفة في جامعة إسكس، فإن دراسة لغة جديدة كانت جزءاً من تحول أكثر راديكالية مر به بعد جائحة كورونا، ودفعه إلى تغيير خطة حياته.

وعندما بدأ الفيروس بالانتشار، كان تشاترز يقدم الطلبات للالتحاق بإحدى مدارس التمثيل، فقد احترف التمثيل منذ أن كان طفلاً. لكن عندما أغلقت المسارح أبوابها وأعلنت مدارس التمثيل أن التدريس سيتم عبر تطبيق زووم على الإنترنت، شعر تشاترز بتحول داخلي.

ويقول: “جلست مع نفسي وفكرت، ما الذي أرغب حقا في القيام به؟”. وفكر في أشياء أخرى لطالما كانت تثير اهتمامه، ويقول موضحا: “في ذلك الوقت، سألت نفسي عن الأشياء التي يجب أن أتعلمها. أريد أن أدرس الفلسفة، وأريد أن أتعلم لغة جديدة. فلتكن لغة صعبة، فلتكن لغة مختلفة بالكامل. سوف أتعلم اللغة اليابانية”.

وهذه هي السنة الأولى لتشاترز في دراسة الفلسفة، وهناك احتمال أن يمضي السنة الثالثة في اليابان.

ويتعلم تشاترز اللغة اليابانية منذ خمسة أشهر مستخدماً الكتب والتطبيقات الخاصة بتعلم اللغات إلى جانب البودكاست، وما يزيد من حماسه فكرة أن ذلك قد يمكنه من العيش في البلد الذي كان دائماً يعشقه. وقد أثبتت بعض مهاراته المتعلقة بالتمثيل، مثل المثابرة وسرعة الحفظ، أنها مفيدة في تحقيق طموحه الجديد.

سوني تشاترز
التعليق على الصورة،اتجه سوني تشاترز، وهو ممثل وطالب فلسفة، إلى تعلم اليابانية خلال جائحة كورونا

وفي عصر الترجمة الآلية، ونظراً لهيمنة اللغة الإنجليزية كلغة عالمية، قد يبدو مفاجئاً أن يكون الناس ما زالوا يثمّنون فكرة معرفة عدة لغات. لكن الأشخاص الذين يبدأون تعلم لغة جديدة انطلاقاً من الرغبة في إرضاء الذات يمكنهم أن يجدوا لذلك فوائد عملية عديدة.

ويقول باول أدرجان، الخبير الاقتصادي في “مختبر إنديد هايرينغ” الذي ينتج أبحاثاً مستندة إلى بيانات مأخوذة من موقع “إنديد” لإعلانات الوظائف: “نميل إلى الاعتقاد بأن كل شخص في العالم يتحدث الإنجليزية، خاصة في مجال الأعمال التجارية، لذلك فلا فائدة من تعلم لغة أخرى. لكن في الواقع، نجد أن المهارات اللغوية لا تزال مطلوبة من قبل أرباب العمل”.

وبالاستناد إلى تحليل 3.5 مليون وظيفة شاغرة أعلن عنها في المملكة المتحدة هذا العام، وجد أدرجان أنه حتى مع إغلاق الحدود، فقد ارتفع الطلب على الأشخاص الذين يمتلكون مهارات لغوية في قطاعات معينة مثل التسويق والمبيعات وخدمة العملاء.

كما ارتفع الطلب على أصحاب المهارات اللغوية في قطاع رعاية الأطفال بنسبة 40 في المئة. وربما لأن العائلات لم تكن قادرة على السفر إلى الخارج، فقد وظفت مربيات أطفال يتحدثن لغات أجنبية.

أما في قطاعات السياحة والضيافة وتجارة التجزئة فانخفض الطلب، لكن ذلك قد يتغير مع استئناف حركة السفر.

ويقول أدرجان: “حقيقة أن هذه المهارات كانت مطلوبة في وظائف مثل المبيعات وخدمة العملاء، يشير إلى أن إمكانية التحدث مع العملاء بلغتهم أمر مهم حقاً بالنسبة للشركات. ومن المرجح أن يستمر ذلك، سواء عقدت اجتماعات العمل بشكل شخصي، أو عبر الفيديو”.

وقد شهدت بعض الشركات التي حققت أرباحاً كبيرة خلال جائحة كورونا، مثل الشركات العالمية لعرض الأفلام والبرامج التلفزيونية وشركات تجارة التجزئة عبر الإنترنت، زيادة في الطلب على المترجمين الذين يمكنهم توفير الترجمة المكتوبة والدبلجة ووصف المنتجات بلغات مختلفة.

ربما من غير المتوقع أن تجد معرفتي السطحية البسيطة باللغة اللوفية طريقها إلى أي مفاوضات تجارية في المستقبل القريب، لكن هذا لا يمنع أن تكون لها بعض الفوائد العملية بما أنني أكتب بانتظام عن النصوص القديمة واللغات.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
تابعونا
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock