أفكار ومواقف

“ما إلي علاقة.. شوف المدير”

في مؤسساتنا شيء من التردد وخوف من اتخاذ القرار ونزعة لإطالة أمد المراجعة والتأخير فلا احد يرغب في تحمل المسؤولية والجميع ينتظر توجيهات ممن هم في الموقع الاول.
داخل أروقة المؤسسات يمكن ان تسمع عبارات “المدير ما بحب فلان” او “فلانة كثير قريبة من الوزير” وتشكل هذه العبارات مؤشرات مهمة حول الشخصيات الأكثر تأثيرا وللتنبؤ بالمستقبل الوظيفي للأشخاص. بعض من يحصلون على تقدير ممتاز يحالون إلى التقاعد دون النظر إلى تاريخهم في حين يتقدم بعض الاشخاص الذين اخفقوا في مجالات العلم والتدريب والعمل ويفتقرون لأي موهبة.
الشاب الأردني يحلم بالوظيفة والزواج والمال والاستقرار. وتلاحقه مخاوف البطالة والفقر والطلاق وغطرسة المديرين. بعض الذين يحققون نجاحات آنية في وظائفهم ويتقدمون بخطى سريعة يخافون أن يسوق الله لهم رؤساء مزاجيين يعطلون تقدمهم ويغيرون مراكزهم او ينهون خدماتهم ويتعسفون في نقلهم. الجميع معرض لهذه المخاطر مهما حاول التكيف وإرضاء المسؤول وتجنب ازعاجه فقد تداهمه بعض من هذه المخاطر وتنهي طموحاته وتفسد حياته. بدون اصلاح اداري جذري سيبقى الإنسان الأردني تحت سياط الخوف وكوابيس القلق واحتمالات الصدمة بخسارة مستقبله الوظيفي وانهيار كل ما بنى من احلام.
للممارسات الإدارية التي تخيف الموظف أصول ثقافية وادارية واجتماعية ففي الثقافات الشرقية ومنها العربية يسود النظام العائلي البطركي حيث تتجمع السلطة في أيدي الآباء ويخضع الجميع لأوامرهم وتوجيهاتهم. في مثل هذا النظام لا يتوقع من أي عضو أن يبدي رأيا أو يبادر لعمل لا يحظى برضا ومباركة “البطريرك”.
المؤسسات في بلادنا تدار بالعقلية البطركية فالسلطة بيد الرؤساء ويتوقع من الجميع اظهار مستويات عالية من الخوف والخضوع والطاعة. في حالات محدودة يفوض الاب بعض سلطاته وبصورة مؤقتة لمن هم اكثر اخلاصا وطاعة وقربا .
مثلما يحدث في العائلة يعتقد المدير في النظام البطركي انه صاحب تفويض إلهي. فهو من يسير الدفة ويوجه العمل ويعبر عن الرضا والغضب, وهو من يملك السلطة التي تخوله ان يبدل الوجوه ويغير اللاعبين ويتخلص ممن لا يعجبه.
في بلادنا التي نالت استقلالها منذ عقود ما يزال الوزراء والمديرون والقادة في المؤسسات يتصرفون كالبطاركة فما ان يحل احدهم في موقع حتى يسارع إلى اعادة الهيكلة واجراء التنقلات واستبعاد كل من لا يعجبه شكله او مظهره او طريقة تفكيره وغالبا ما يستدلون على هؤلاء من خلال رصدهم لمدى ومستويات الخوف والطاعة والنفاق.
الاشخاص الذين لا يخضعون ويجددون الولاء اليومي مرشحون لمغادرة مواقعهم قبل غيرهم حتى وان كانوا على قدر كبير من الموهبة والتدريب وحسن الادارة فالمطلوب اتباع للبطريرك اكثر من الادارة والمهارة والاخلاص والتقرب والولاء اهم من العطاء.
المديرون الجدد يحرصون من اللحظات الاولى لتسلم مواقعهم على اعادة تشكيل المؤسسة بالشكل الذي لا يزعجهم الامر الذي يتطلب التخلص من كل من هو صاحب رؤية او رأي او من يمكن ان ينتقد الاداء او يوجه استفسارا فالبطركية لا تحتمل آراء ومقترحات غير التي يأتي بها البطريرك. التقدم مرهون بالطاعة والالتزام بالاوامر والتعليمات وعدم الخروج عنها.
بمراجعة لسجل العديد من المؤسسات يتبين أن الكثير منها خسرت افضل كفاءاتها في السنوات الاولى لعملهم واحتفظت بالاكثر طاعة وربما خوفا وترددا والاقل إقبالا على المبادرة والاكثر بعدا عن المغامرة والتجريب. المؤسسات التقليدية تحتفظ بالعناصر المحافظة وتلفظ وكلاء التغيير.
في كل مرة تصدر فيها قوائم للمتقاعدين الجدد تخسر المؤسسات فوجا جديدا ممن يبدون رغبة في التغيير والتطوير او يبدون ضجرهم من الاساليب التي تدار بها مؤسساتهم وتفتح الابواب لمجموعات جديدة يعتقد الرؤساء بأنهم الانسب لمرحلة وجودهم.
النتائج التي توصل لها علم الادارة العامة والعروض التي يقدمها البطاركة عن التطوير المؤسسي والهياكل التنظيمية وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات والخطط الاستراتيجية ومؤشرات الاداء تتهاوى امام غضب المسؤول الاول من مساعديه او محاولات بعضهم ان يمارس مهام عمله بطريقة لا تتفف وتوجهات المسؤول الاول ومزاجه. في الكثير من الحالات والاوضاع تشعر وكأن المؤسسات تحكم بمزاج الرؤساء اكثر من القوانين والانظمة والتعليمات التي يجري العودة لها للبحث عن سند وتبرير للرغبة في الانتقام والعقاب التي يمارسها المسؤول.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock