أفكار ومواقف

ما الأمن القومي العربي..؟!

تقوم تركيا الآن بغزو سورية العربية بذريعة حماية الأمن القومي التركي -وسبق أن توغلت في شمال العراق العربي أيضاً لنفس السبب. وتوسِّع إيران نفوذها في المنطقة العربية، باستثمار مظالم العرب الشيعة وتهميشهم حتى بينما يشكلون أغلبيات، باسم الأمن القومي الإيراني. وتهيمن الولايات المتحدة وحلفاؤها على إرادة العرب ويستبيحون أراضيهم أيضاً بذريعة حماية أمنهم القومي. ويعدو الكيان الصهيوني على العرب ويُخضعهم من أجل حماية أمنه القومي. والضحية الدائمة في كل هذا هي الأمن القومي العربي الذي يقوضه هؤلاء وغير كل الوقت.
الآن، يحتج العرب على الغزو التركي لسورية، باعتباره اعتداء على بلد عربي –وبالتالي تهديداً لـ”الأمن القومي العربي”. وفي هذا عرض غرائبي للتناقض. فحتى وقت قريب، ساهم العرب أنفسهم بحماس كبير في تدمير سورية وكشفها أمام الآخرين -ربما أيضاً بذريعة حماية الأمن القومي العربي. وقبلها ساهموا في كشف العراق -ولبنان إلى حد ما- أمام القوى غير العربية الساعية إلى حماية أمنها بطريقتها.
يتخذ الأمن القومي العربي هذه المكانة المنخفضة التي يعدو عليها الجميع لأن العرب لا يتفقون على تعريف لماهية “الأمن القومي العربي” على ما يبدو، ناهيك عن اجتراح السبل لحمايته. هذا في أفضل الأحوال. أما في أسوئها، فإن أصحاب القرار ربما يعرفون التعريف المنطقي لهذا الأمن وضرورته، لكنهم لا يعرفون كيف يُقاربونه، أو لا يرغبون في السعي إليه، أو يعرفون أن بقاءهم في السلطة مشروط بعدم السعي إليه. وهكذا، يُختزل “الأمن القومي” لدى السلطات العربية في الممارسة إلى أَمن القُطر الذي يعرِّف نفسه بأنه “قومية”. بل إنه يعني في الحقيقة أمن السلطات الحاكمة من حيث البقاء في الحكم، غالباً على حساب الأمن القومي/ القُطري نفسه، كما يحدُث. والضحايا النهائيون لهذه التعاملات الفئوية المرتجلة وغير الاستراتيجية مع “الأمن القومي العربي” هم الناس العاديون في كل مكان عربي.
كما نرى في كل مكان، فإن “الأمن القومي” يجب أن يبدأ أولاً بمجموعة من الناس الذين يعرّفون نفسهم بأنهم “قوم”. وبغض النظر عن أي تقسيمات فرعية وخلافات داخلية، يجد هؤلاء الناس مصلحة عملية وعاطفية في عرض نفسهم كقومية: إيرانيين؛ أتراك؛ أميركيين، “إسرائيليين”، صينيين أو هنود. وسوف يبرز أعضاء القومية المعنية لك كتكوين واحد تفاصيلُه معَمّاة. وسوف يخبئون أي خلافات عندما يتعرض أمنهم الجمعي للخطر.
في المقابل، في حين تنطبق كل تعريفات “القوم” بشكل فريد على العرب، فإنهم يُقادون إلى خيار “القومية القُطرية” كهوية تفشل في توحيد مواطني القطر بسبب الفشل في إيجاد مصلحة رابحة تؤمن لهم أمناً معقولاً مع المجموع. وربما يرى القُطر الذي يرى نفسه “قومية” بذاته –أو بالأحرى الذين يقررون وجهاته- أن شرط أمنه هو تقويض جاره العربي والمكر له وإخضاعه وإطعامه للكلاب إذا لزم الأمر. ولذلك سهّل العرب جعل أقطارهم مساحات مستباحة لكل آخر يبحث عن حماية أمنه القومي عن طريق خوض حروبه في دولنا. وليس من المفهوم كيف يمكن الخلط بين توجهات نظام حاكم معيّن وبين الجزء العربي الذي يحكمه، كأرض وأناس ومنجزات وتاريخ. وبذلك خُربت الأوطان وقتل الملايين من الأبرياء وشُردوا بدعوى تغيير النظام (المختلف) في دول عربية –بل بزعم أن ذلك من أجل الديمقراطية والحرية للأشقاء في العروبة!
قد يجوز تعريف “الأمن القومي العربي”، بأنه حاصل جمع الأمن الفردي لكل العرب العاديين. ويعني الأمن تأمين السلامة الفردية، والأمن الاجتماعي بمعنى النجاة من العوز، والشعور العام بالطمأنينة وعدم التعرض للتهديد. فإذا كان العرب يشتكون في كل مكان من نفس الأعراض –فقدان أسباب الشعور بالأمن والطمأنينة، والعيش في بيئة ناضجة للاضطرابات والخلافات والنزاعات الاجتماعية ومع السلطات، فإن كل الآليات الموصوفة الآن لحفظ “الأمن القومي العربي” سيئة المشورة والنتائج.
لا بديل عن تكامل الطاقات العربية الهائلة، على المستويات الاقتصادية والعسكرية والثقافية، والبحث عن المشتركات التي لا تحتاج إلى بحث في الحقيقة، حتى يستطيع العرب تأمين أمنهم الإقليمي. ولا أمان حقيقياً لأي نظام حاكم، على المستوى الاستراتيجي، في غياب الأمن عن مواطنيه. وسوف يحكم دائماً بلداً هشاً نسيجه الاجتماعي ممزق ومنطوٍ على احتمال الثورة. ولن يأمن العرب ما لم يتفقوا، بإخلاص، على ماهية “الأمن القومي العربي” كما ينبغي.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock