السلايدر الرئيسيترجمات

ما الذي تسعى إليه تركيا حقا في سورية؟

شيرين ت. هنتر* – (لوبيلوغ) 18/10/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لن تكون أنقرة سعيدة إذا ما تمت إعادة دمج سورية في الحظيرة العربية. فعلاقات تركيا مع الدول العربية الرئيسية، مثل السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، متوترة. وهذا القدر واضح تماماً. ولن ترغب أنقرة في مواجهة جبهة عربية قوية تقف في طريق طموحاتها الإقليمية. وقد استفادت تركيا من الانقسامات العربية الداخلية مثل الخلاف السعودي القطري. وقبل مقتل جمال خاشقجي، كانت أنقرة تتمتع بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية واستخدمت التوترات العربية-الإيرانية لصالحها أيضاً.

  • * *
    برر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غزوه للمناطق التي يقطنها الأكراد في شمال شرق سورية بمنع الجماعات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في تركيا من مساعدة تمرد هذه المجموعة الأخيرة ضد الحكومة التركية. ووفقاً لأردوغان، فإن الهدف النهائي من الهجوم الذي سُمي “عملية ربيع السلام”، هو ضمان أمن تركيا. وكان الأساس المنطقي الآخر الذي استخدمه أردوغان لتسويغ الغزو هو أن تركيا تريد أن تخفف عن كاهلها عبء العدد الكبير من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية.
    وكل هذه المخاوف حقيقية. فلدى تركيا ما يشبه الرهاب من إمكانية إنشاء منطقة حكم ذاتي كردي أخرى في سورية، والتي تكون مماثلة لما حدث في العراق. وعلى الرغم من أن حكومة الحكم الذاتي الكردي العراقية تتمتع بعلاقات جيدة وروابط اقتصادية واسعة مع أنقرة، فإن تركيا تشعر بالقلق من اتجاهاً إقليمياً نحو الحكم الذاتي الكردي يمكن أن يكون سبباً في إلهام سكانها الأكراد الساخطين وغير المستقرين في كثير من الأحيان.
    كما تريد أنقرة أيضاً تقليل عدد اللاجئين السوريين الموجودين لديها. فوجودهم لا يسعد الكثيرين من الأتراك الذين يشعرون بأن الحكومة تنفق الكثير من الأموال على السوريين -يمكن استخدامها لتحسين أحوال الشعب التركي.
    ومع ذلك، فإن هناك عوامل أخرى، بما في ذلك اعتبارات سياسة القوى الإقليمية ومصالح تركيا وأهدافها على المدى الطويل في المنطقة، والتي كانت مهمة هي الأخرى في قرار أنقرة تنفيذ عملية “ربيع السلام”.
    استمرار العداء لبشار الأسد
    على الرغم من أن أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد بديا على وفاق قبل الربيع العربي، أتاح اندلاع الحرب الأهلية المدعومة من الغرب لتركيا فرصة لدعم الجهود الرامية إلى الإطاحة بالأسد.
    وكان أردوغان قد غضب من الأسد بسبب رفض الرئيس السوري جهوده للوساطة بين دمشق وإسرائيل في العام 2008 بشأن الجولان. وكان أردوغان يأمل في أن يجعله النجاح في هذا الجهد بمثابة الموفِّق وعرّاب المصالحة الكبير في الشرق الأوسط -على النقيض من إيران، التي كسبت لقب المثير الأكبر للمشاكل في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، كان أردوغان يأمل في أن تؤدي الإطاحة بالأسد إلى قدوم حكومة سُنية في دمشق، والتي يفضَّل أن تكون متحالفة مع الإخوان المسلمين. وكان يأمل في أن تزيد هذه الحكومة، مع حكومة مماثلة في مصر، من نفوذ أنقرة في العالم العربي. لكن حكومة محمد مرسي في مصر لم تدم طويلاً، كما تمكّن الأسد -بمساعدة إيران، وروسيا بشكل خاص- من النجاة، وظل بالتالي شوكة في خاصرة أنقرة. وكانت تركيا حريصة على الإطاحة بالأسد لدرجة أنها سمحت لمقاتلي “داعش” بالتماس اللجوء وتلقي العلاج الطبي في تركيا.
    هنا، تجدر الإشارة إلى أنه عندما ظهر “داعش” لأول مرة في العراق ثم في سورية بعد اندلاع الحرب الأهلية، رأت فيه العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية أداة مفيدة للحد من نفوذ إيران في العراق وسورية، بنفس الطريقة التي كانت قد نظرت بها إلى طالبان كموازن لنفوذ إيران في أفغانستان. ولم يكن إلا بعد أن بدأ “داعش” في ارتكاب الفظائع ضد المواطنين الغربيين حين تغيرت المواقف تجاه المجموعة. وعندئذٍ، غيرت أنقرة موقفها أيضاً وادعت أنها كانت تحارب المجموعة.
    لذلك، كان أحد الأسباب الرئيسية لعمليات التوغل التركية في سورية هو إرسال إشارة إلى دمشق بأن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تحركت التطورات في سورية بطرق قد تكون ضارة بالمصالح التركية. وقد أصبح هذا العامل أكثر حتمية عندما أصبح واضحاً أن الولايات المتحدة شرعت في تخفيض وجودها في سورية بشكل كبير، وأنها ربما تنقل جميع قواتها إلى خارج البلد. وفي غياب الولايات المتحدة، شعرت أنقرة بأنها لا تستطيع السماح للحكومة السورية، المدعومة من روسيا -والأسوأ، من إيران- بملء الفراغ. وباختصار، كان السبب الرئيسي للتدخل التركي هو رغبة أنقرة في أن يكون لها رأي في تقرير مصير سورية النهائي.

عوامل إيران وروسيا، والعرب
على الرغم من العلامات الخارجية على الصداقة والتعاون، فإن أردوغان لا ينطوي على أي مشاعر ودية تجاه إيران. وفي الحقيقة، كما أخبرني خبير تركي، ترى تركيا أن إيران هي منافستها الوحيدة القادرة على التأثير في الشرق الأوسط -وقد يضيف المرء أيضاً مناطق القوقاز وآسيا الوسطى.
لم تكن تركيا راضية أبداً عن تغيير القيادة في العراق في أعقاب إطاحة الولايات المتحدة بصدام حسين، والتي سمحت للشيعة العراقيين بلعب دور أكبر في حكومة البلاد. وعلى الرغم من أن تركيا تتاجر مع العراق أكثر من إيران، فإنها لا تتمتع بالنفوذ السياسي نفسه الذي تتمتع به طهران في بغداد. وهكذا، لم تكن فكرة أن إيران يمكن أن تعزز نفوذها في دمشق في أعقاب انخفاض الوجود العسكري الأميركي مستساغة بالنسبة لأنقرة. وعلى أقل تقدير، تشعر تركيا بأنها يجب أن تنشئ وجوداً تركياً ثابتاً في سورية لموازنة نفوذ طهران هناك.
وينطبق الشيء نفسه على روسيا. فالعلاقات التركية الروسية هي من نواح كثيرة أيضاً، إن لم تكن متضاربة، فتنافسية على الأقل. وبالتالي، تشعر أنقرة بأنها لا تستطيع أن تترك سورية بالكامل لروسيا أيضاً.
علاوة على ذلك، لن تكون أنقرة سعيدة إذا تمت إعادة دمج سورية في الحظيرة العربية. فعلاقات تركيا مع الدول العربية الرئيسية، مثل السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، متوترة. هذا القدر واضح تماماً. ولن ترغب أنقرة في مواجهة جبهة عربية قوية تقف في طريق طموحاتها الإقليمية. وقد استفادت تركيا من الانقسامات العربية الداخلية مثل الخلاف السعودي القطري. وقبل مقتل جمال خاشقجي، كانت أنقرة تتمتع بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية واستخدمت التوترات العربية-الإيرانية لصالحها أيضاً.

طموحات أردوغان وصورته الذاتية
التقى نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، بأردوغان في تركيا في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، وبعد ذلك أعلنوا أن تركيا ستوافق على وقف مؤقت لإطلاق النار، والذي يسمح بسحب المقاتلين الأكراد من المنطقة الحدودية. ومع ذلك، رفض وزير الخارجية التركي، ميفلوت كافوسوغلو، في وقت لاحق أن يطلق على هذا وصف “وقف لإطلاق النار”، مضيفاً أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون بين طرفين شرعيين -مما يعني أن الأتراك لا ينظرون إلى المقاتلين الأكراد ككيان شرعي. ويجعل الخطاب التركي، وكذلك الأسباب المذكورة الأخرى للتدخل في سورية، من غير المرجح أن تنسحب أنقرة من الأراضي السورية في أي وقت قريب.
لا يمكن فهم نهج تركيا تجاه سورية والعديد من قضايا الشرق الأوسط الأخرى من دون فهم وجهات نظر أردوغان، وصورته الذاتية وطموحاته. ويعتقد أردوغان أنه حدث خطأ تاريخي في تركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. وهو يرى أن الأراضي العثمانية القديمة هي المجال الطبيعي لنفوذ تركيا. وتمتد هذه الأراضي من البلقان وصولاً إلى شمال إفريقيا، وجميع المناطق التي ورطت فيها تركيا نفسها. وعلاوة على ذلك، يؤمن أردوغان بمهمته التاريخية المتمثلة في استعادة المجد العثماني القديم، ولو كان ذلك بطريقة غير مباشرة وليس من خلال التوسع الإقليمي الصريح. وتشير حقيقة أن الولايات المتحدة قد وافقت الآن على الوجود غير محدد المدة للقوات التركية في شمال شرق سورية إلى أن “عملية ربيع السلام” تتعلق إلى حد كبير بأهداف تركيا طويلة الأجل.
باختصار، يجب النظر إلى تصرفات تركيا في سورية باعتبارها الخطوات الأولى في إطلاق حقبة جديدة من المنافسة الإقليمية، والخصومة، بل وحتى الصراع. ولا يجب أن يأتي هذا كمفاجأة. فقد أدت أحداث العقدين الأخيرين، وخاصة منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، والتدخل الغربي في ليبيا، والحرب الأهلية في سورية، إلى انهيار أربع حكومات في الشرق الأوسط وإلى الإخلال بتوازن القوى الإقليمي. كما أنها فتحت فرصاً جديدة للدول الإقليمية الرئيسية لمحاولة توسيع مجالات نفوذها. وبالتالي، أطلقت منافسات جديدة على تقرير الخريطة السياسية -وربما الجغرافية- للشرق الأوسط في المستقبل. وتبدو تركيا مهيأة لأن تكون مشاركاً رئيسياً في إطلاق هذه المسابقة الإقليمية من أجل النفوذ. ويمكن أن نتذكر غزوها لسورية، على الرغم من التوقف المتفق عليه مؤخراً للعمليات العسكرية، باعتباره أول هجوم افتتاحي في هذه اللعبة الجديدة.

*أستاذة جامعية بجامعة جورج تاون. كانت من 2007 إلى 2014 أستاذاً زائراً، ومن 2014 إلى تموز (يوليو) 2019 أستاذاً باحثاً في كلية الخدمة الخارجية. أحدث منشوراتها “العلاقات العربية الإيرانية: ديناميات الصراع والتوافق”، الصادر عن (رومان وليتفيلد إنترناشونال)، حزيران (يونيو) 2019.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What is Turkey Really After in Syria?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock