تحليل إقتصادي

ما الذي سيحدث عندما يصل الطلب على النفط ذروته؟

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان– سيحمل التحرك تدريجياً بعيداً عن النفط معه الفوائد للاقتصاد العالمي، وفقا لما كتبه كل من المديرة التنفيذية للطاقة والاستدامة في معهد “يو سي ديفيس” لدراسات النقل، إيمي مايرز جافي، والمدير السابق لـ”رويال داتش شل”، جيرون فان دير فير.
وبحسب رأيهما، فإن تقليل دور النفط يعني أن الأسواق ستغدو أكثر استقراراً، بينما ستنخفض دعومات الأسعار المكلفة أيضاً. ويحث المؤلفان، الأعضاء في “مجلس الأجندة العالمية لمستقبل النفط والغاز” الجديد، والذي يعد جزءاً من المنتدى الاقتصادي العالمي، شركات النفط والغاز على استكشاف كيفية تنمية الطاقات البديلة المربحة بواقع الحال، مع الإشارة إلى ذلك سيتطلب “تغييرا في عقلية المستثمرين”.
ومنذ الثورة الصناعية الأولى، لعب النفط والغاز دورا محوريا في التحول الاقتصادي ووسائل النقل. أما الآن، مع آفاق تحول الاقتصادات العُظمى كالولايات المتحدة والصين ودول أوروبا بعيداً عن النفط، أصبح المنتجون يدركون أكثر فأكثر أن مخزوناتهم النفطية تحت سطح الأرض –والتي تعرف أحياناً بالذهب الأسود- يمكن أن تُمسي أقل قيمةً في المستقبل مما هي عليه اليوم.
ومن السيناريوهات الأربعة لمستقبل الصناعة المبينة في مجموعة جديد من الأوراق البيضاء الخاصة بـ”مجلس الأجندة العالمية لمستقبل النفط والغاز”، تصور 3 منها هذا النوع من العالم. ويمكن لعوامل مثل التقدم التكنولوجي وانخفاض أسعار البطاريات التي تشغل السيارات الكهربائية، إلى جانب دعم التجوه نحو الطاقة الأنظف عقب مؤتمر “الأمم المتحدة حول التغير المناخي” الأخير، أن تقود استخدام النفط حتى إلى ما دون الـ80 مليون برميل في اليوم بحلول العام 2040 – %15 أقل من استخدامه الحالي.
إذاً، ما الذي يعنيه المستقبل منخفض الطلب لصناعة النفط والغاز؟
نحن نشعر فعلياً بتأثير ذلك
تؤثر مسألة عدم اليقين بشأن إذا ما كان الطلب على النفط سيواصل في النمو فعليا على استراتيجيات شركات النفط والغاز. وخلال الألفينات حتى العام الماضي، اتخذت منظمة الدول المصدرة للنفط “الأوبك”، التي تؤثر سياساتها على إمدادات النفط العالمية وأسعاره، استراتيجية تستند إلى الإيرادات، معتقدة بأن قيمة النفط الشحيح تحت الأرض ستغدوا أكبر من قيمة ذلك المعروض في الأسواق، لاسيما مع ارتفاع الطلب العالم أضعافا مضاعفة مع مرور الوقت.
وتستجيب شركات النفط بدورها لهذا الرأي العالمي عبر إتباع نموذج أعمال يُعظم بطبيعته إضافة أكبر قدر من الاحتياطيات كميزانيات محتملة، بالإضافة إلى أصول تكلفة تخزين.
والآن، مع الاتجاهات الجديدة التي ناقشت في أوراق وتقارير جديدة، أدرك المنتجون أن النفط المخزن تحت الأرض سيصبح قريباً أقل قيمة من النفط الذي سيتم إنتاجه وبيعه في السنوات المقبلة. وسوف يغير هذا التحول الجذري في التوقعات البيئة التشغيلية لمستقبل النفط والغاز.
عالم ما بعد النفط: ليس عالم هلاك وكآبة بالكامل!
تعيد الدول التي تشتهر باحتياطياتها الضخمة والمنخفضة التكلفة، مثل المملكة العربية السعودية، التفكير في استراتيجياتها في الوقت الراهن، بينما يتطلب الأمر منها أن تفكر مرتين حول تأخير الإنتاج أو تنمية الاحتياطات، على أساس الاحتياط إن لم تستطع الاستثمار في هذه الاحتياطات على المدى البعيد.
وقد أعلنت العربية السعودية، من جهتها، مؤخراً أنها على وشك الخروج بصندوق ثروات سيادية ضخم –من 2 تريليون دولار- والذي تموله مبيعات أصول الصناعة النفطية الحالية، بغية أن تعد نفسها لاستقبال عصر لن يواصل فيه النفط سيطرته على الاقتصاد العالمي.
ويمكن أن تؤثر الإيرادات المنخفضة، التي تحصد من استغلال احتياطات النفط المتبقية، سلباً على الإيرادات الوطنية ككل في العديد من الدول التي اعتمدت على النفط كدعامة رئيسية لاقتصادها. وسوف تواجه هذه الدول المطالبات الملحة بإجراء إصلاحات اقتصادية، وربما خطر ارتفاع الافتراضات المالية السيادية.
ولكن، بالنسبة إلى أغلبية سكان العالم، توفر الاصلاحات الهيكلية -ذات العلاقة بالآفاق المستقبلية للنفط والغاز- الفرص لا الكوارث. ففي حال أصبح أمسى الاقتصاد العالمي أقل تركيزاً على النفط، سوف يتلاشى التعرض لاضطرابات التوريد وصدمات الأسعار التي ابتليت بها الأسواق المالية لعقود، وذلك إلى جانب الآثار الجغرافية السياسية الإيجابية المحتملة.
وعلاوة على ذلك، ستتخلص بعض الدول من دعومات الطاقة التي أعاثت في موازناتها فساداً على شكل ديون وعجوزات. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، كلفت دعومات المحروقات العالم 5.3 تريليون دولار العام الماضي –ما يقارب 6.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبالتالي، يمكن لأسعار النفط المنخفضة وخيارات الوقود البديل الكبيرة أن تعكس هذه الأعباء، وتُرسي الأسس لتقلبات سعرية أقل لأي سلعة.
الحفاظ على موقع منافس في صناعة تقبع تحت التغيير
في نهاية المطاف، ينبغي على اللاعبين الذين يريدون البقاء في منافسة صناعة النفط والغاز أن يعيدوا النظر في إذا ما كان من المربح أكثر للمساهمين أن يطوروا مصادر طاقة ربحية منخفضة الكربون كبدائل نهائية لإيرادات النفط والغاز، خاصة للحفاظ على حصتهم في قطاع الكهرباء.
وهذا سيتطلب تغييراً في عقلية المستثمرين في النفط والغاز بواقع الحال. فمن أجل تطوير هذه المحطة المرنة والتكميلية لنشاطات النفط والغاز التقليدية، ربما تحتاج صناعة النفط والغاز إلى إيجاد فرص جديدة عبر معالجة التحديات التكنولوجية المرتبطة بأجزاء مختلفة من فضاء الطاقة المتجددة، وكذلك كيفية تطوير تركيبات فعالة من حلول تخزين الطاقة والنقل واسعة النطاق في عالم تملأه الكهرباء المتجددة والمتغيرة.
ويمكن للاعبين أن يستفيدوا أيضاً من إبرام الشراكات بغية تحصيل تكنولوجيات الوقود المرن، وذلك من أجل تيسير نقل البنى التحتية وتحسين مرونتهم على صعيد تسعير الكربون عبر تحقيق الكفاءة من الكربون كطاقة للمستخدم النهائي، ما يتم من خلال التعاون مع صناع السيارات وشركات النقل. وفي الحقيقة، سوف تعزز مثل هذه الاستجابات جاذبية الصناعة للعملاء والمستثمرين، والأهم من ذلك، سوف تعزز نقلة أكثر سلاسة في الطاقة على المدى الطويل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock