قضايا

ما الذي وصل إليه المشروع النووي؟

د. أيوب أبودية

غطت “الغد” الغراء في 21 آب (أغسطس) الماضي، عرض دولة رئيس اللجنة الاستشارية الدولية للبرنامج النووي الأردني، وقوله: “إن البرنامج ماض وفق المعايير العالمية وبدرجة عالية من الشفافية”.
ويتفاجأ المرء من هذا التصريح الذي يعتبر أن المشروع النووي الأردني على درجة عالية من الشفافية، في حين أن دولته تحدث عن ملاحظات اللجنة الاستشارية العليا، مؤكداً -أولاً- حاجة البرنامج لمزيد من الوضوح حول حصة الأردن من التمويل وآلية استكمالها. فأين هي الشفافية إذن؟
ثانياً، أكد تقرير اللجنة على ضرورة استقلالية المنظم النووي (Regulator) التي فقدها الأردن عندما استقال رئيس هيئة تنظيم العمل الإشعاعي والنووي، كما استقال نائبه، على إثر الاعتراضات المتكررة على عدم التزام هيئة الطاقة الذرية بالقواعد العالمية المرعية بشأن المفاعل النووي البحثي في جامعة العلوم والتكنولوجيا تحديداً. وهذا ما طالبنا به باستمرار عبر مؤسسات المجتمع المدني الأردني، وجرى استهدافنا لوضع مقترحات وملاحظات كان من أهمها المطالبة بمزيد من الشفافية والمشاركة للمجتمعات المحلية، كما طالبنا برفع مستوى الكفاءات العاملة في المشروع النووي، والتي كان ينبغي أن يتم اختيارها بدقة متناهية لأن مشاريع الطاقة النووية هي مشاريع لا تحتمل الخطأ.
وللأسف، فقد تم تعيين طاقم جديد لهيئة تنظيم العمل الإشعاعي والنووي، وأُلحقت بهيئة تنظيم قطاع المعادن والطاقة لتُصبح مرتبطة مباشرة بوزارة الطاقة والمعادن، الأمر الذي جعلها تابعاً بالمطلق بدلاً من أن تكون جهة مستقلة تابعة لرئاسة الوزراء مباشرة ولديها الصلاحيات لاتخاذ القرارات المناسبة لضمان أمن هذه المنشآت النووية وأمانها.
ثالثاً، مما يلفت الانتباه في تقرير اللجنة الاستشارية العليا، أنها ما تزال تروج للطاقة النووية في الفصل الثاني من التقرير، علماً أن ذلك خارج نطاق مسؤولياتها. وعلماً أن الفصل الثالث يتحدث عن الأمان في المحطات النووية، بينما لم يُشر من قريب أو بعيد إلى أن المفاعل الروسي المنوي استخدامه في الأردن لم يتم تجريبه بعد في بلد المنشأ لمدة كافية!
رابعا، بحث الفصل الرابع في الأشعة المؤينة واستخداماتها العلاجية، بينما لم يتحدث عن ضرر هذه الأشعة على صحة الإنسان والحيوان والنبات في المناطق المحيطة بالمفاعل النووي، أو أثر العناصر المشعة المنطلقة من المفاعلات على مياه الأمطار والبيئة الطبيعية المحيطة بها، أو أثرها المستدام على المياه الجوفية العميقة.
خامسا، يفاجئنا التقرير في الفصل التاسع بالعودة إلى التغني بوجود كميات يورانيوم تجارية في منطقة وسط الأردن. حيث أثنت اللجنة على الإدارة الجيدة في المشروع لدورها في تطوير مصادر اليورانيوم التي كنا قد طوينا صفحتها بعد انسحاب شركة “أريفا” وفشل هيئة الطاقة الذرية في تصدير اليورانيوم كما وعدت في العام 2012.
سادسا وأخيرا، يعتبر التقرير أن الطاقة النووية ذات جدوى اقتصادية، برغم أنه لم تصدر بعد دراسة جدوى اقتصادية شاملة للمشروع. كما يعتبر التقرير أن الطاقة النووية لا تنتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهذه مغالطه كبيرة؛ إذ أثبتت الأبحاث المحكمة أن دورة إنتاج الوقود النووي من مراحل التعدين إلى مراحل الطحن فمراحل إنتاج الكعكة الصفراء امتداداً إلى مرحلة التخصيب فبناء المحطة النووي وانتهاءً بتفكيكها وردمها وما ينتج عنها من نفايات نووية تحتاج الى معالجة ودفن، كلها مراحل تؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وأنه بمرور الزمن وبانخفاض معدل تركيز خامات اليورانيوم في العالم إلى ما دون 600 جزء بالمليون، فإن دورة الوقود النووي سوف تنتج من انبعاثات غازات الكربون ما لا يقل عمّا تنتجه محطات توليد الكهرباء على الغاز وربما أكثر.
ويناء عليه نقول إن تقرير اللجنة العليا الاستشارية جاء سلبياً على البرنامج، رغم محاولات التجميل المتضمنة هنا وهناك والتي هي من نتاج ترشيح هيئة الطاقة الذرية لأسماء الخبراء الأجانب. فأين هو الحياد المطلوب علميا وأخلاقيا في هكذا مشروع خطير استراتيجيا واقتصاديا وأمنيا؟
ختاماً، تحيّة فخر واعتزاز للفريق الأردني المتضمن في اللجنة الاستشارية العليا. وكلنا أمل أن تظل عيونهم يقظة على البرنامج النووي الأردني، وبخاصة لخبرتنا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أسهمت فيما مضى في تدمير العراق وأوصلته إلى الحالة التي هو عليها اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock