تحليل إخباري

ما الذي يصنع الفرق الكبير في بيوتنا؟

د. محمود أبو فروة الرجبي

كثير من السلوكيات البسيطة التي يمكن تطبيقها في حياتنا كفيلة بتغييرها، وهذه السلوكيات لا تحتاج إلى أي تكاليف، ولكن فيها فوائد لا تحصى ولا تعد، ومنها قصة ما قبل النوم للأطفال التي تغفل غالبية العائلات في بلدنا عنها.
من منا لا يتذكر القصص الساحرة التي كانت ترويها الجدات والأمهات للأطفال؟ وفي طفولتنا كنا نصف من لديه جَدَّة بارعة في رواية القصص بأنه محظوظ، وما أكثرهم في طفولتنا!
عقلية العربي في العادة ترى الأشياء الـمفيدة صعبة التحقيق، أو مستحيلة، وإذا آمن بشيء وبسبب غياب العقلية الإجرائية عن حياته في الغالب فإنه لا يحولها إلى واقع، وهذا أدى في كثير من الأحيان إلى ضياع فرص جميلة نستطيع من خلالها تغيير واقعنا إلى الأفضل، وهذا ما يجب أن نتذكره هنا ونحن نتحدث عن «قصة ما قبل النوم للأطفال».
تعد «قصة ما قبل النوم للأطفال» من النشاطات الـمفيدة جدا للعائلة كلها، وليس للأطفال فقط، فالطفل من خلالها يستمتع أولًا من خلال الاستماع لقصة يومية قبل نومه، وهذا له فوائد جمة فهو يسترخي عند سماع القصة، وينهي يومه بخبرة سعيدة، تجعله أكثر راحة، ومن جهة أخرى يحصل تواصل بينه وبين الأب والأم لفترة قد تمتد لربع ساعة، ويمكن من خلال القصة المروية إيصال قيم، وأخلاقيات ومعلومات معينة للطفل، ناهيك عن تحريك عقل الطفل وجعله يفكر بطريقة منطقية، وهذا له حكاية أخرى.
أي قصة تكتب للأطفال تتحدث عن مشكلة وحل، وخلال أحداث القصة تتحرك الشخصيات وتتصارع، وتتضارب مصالحها، أو تتقارب، وخلال هذه الأجواء يتعلم الطفل الحياة، ويكتسب سلوكيات إيجابية.
حسب اعتقادي فإن أفضل طريقة لتدريب عقل الطفل على حل الـمشكلات، والتفكير الناقد هي القصة، وخلالها ولأن الطفل مستمتع، ومتفاعل مع القصة، يمكن للأهل إيصال وتمرير أي معلومة يحتاجونها، بل يمكن من خلال مشاهد معينة تُروى على مسامعه اكتشاف إذا ما كان الطفل يتعرض للتنمر، أو أي إساءة على سبيل المثال.
أشجع دائمًا على أن يقوم الأب برواية «قصة ما قبل النوم» لأطفاله، فالمعروف أن غالبية الآباء في بلدنا الأردن، وفي وطننا العربي الكبير يعملون في أكثر من عمل في اليوم الواحد، وقد يعود الأب متاخرًا إلى الـمنزل، فلا يحظى بوقت طويل ليجلس مع أطفاله، فتأتي فترة «قصة ما قبل النوم» باعتبارها فرصة لهذا التواصل، ويجب ألا نلتفت إلى من يقول إن الأب يعود إلى البيت متعبًا، ويحتاج إلى راحة، فمن قال إن قراءة قصة للأطفال، ومشاركتهم فرحتهم ليست هي الراحة نفسها؟!
عملية قراءة قصة للطفل لا تحتاج إلى مهارات عالية، ولا إلى قدرات على التمثيل، فقط تتطلب إلى الإيمان بها، وقراءة قصة بتمعن، وإعادة صياغتها وروايتها للطفل، ومراقبة حركات وجهه، وردود فعله، ومع مرور الوقت ستكتسب العائلة الخبرة في روايتها، وأي الـمواقف، والحركات التي تزيد من تفاعل الطفل، فيكثفونها.
وإذا لم يتفاعل الطفل مع القصة المروية باللغة العربية الفصحى، يمكن المزج مؤقتًا بينها وبين العامية، مع مرور الوقت، وزيادة تفاعل الطفل سيحب اللغة العربية، ويكتسب مفردات وتراكيب جديدة، وقدرة على التعبير بشكل أفضل.
الخلاصة: «قصة ما قبل النوم» نشاط يومي جميل، وغير مكلف، ويساهم في زيادة أواصر الـمحبة في العائلة، وله فوائد لا حصر لها للأطفال والعائلة على حد السواء، والأهم من ذلك أنه يصنع عائلة غير تقليدية، في مجتمع يحتاج إلى العقل الناقد في تفكيره.
هذا العلاج الجميل الناجع مهم في تربية أطفالنا فمن يأخذ به؟ هذا هو السؤال الكبير.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock