ترجمات

ما الذي يعنيه الضم حقاً للسلام في الشرق الأوسط: نتنياهو مستعد لدفن حل الدولتين

آرون ديفيد ميلر* – (فورين أفيرز) 30/6/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يمكن أن تبدأ إسرائيل قريباً عملية ضم بعض من أجزاء الضفة الغربية. ويخيم طيف تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتطبيق القانون الإسرائيلي من جانب واحد على أجزاء من الأراضي الفلسطينية -بما يكفل فعليًا احتفاظ إسرائيل الدائم بها- على الأفق -إلى جانب فيل أكبر في الغرفة: إن نتنياهو في طريقه لضمان أن تذهب فكرة قيام دولة فلسطينية حقيقية قائمة على حدود حزيران (يونيو) 1967 مع عاصمة في القدس الشرقية في طريق الدودو. (1) وبغض النظر عما قد يحدث مع الضم، فإن هذا سيكون إرثه -ويغلب أن يكون إرثًا لا رجعة فيه.
الآن، يتوسل القادة داخل وخارج الشرق الأوسط عملياً نتنياهو لإظهار ضبط النفس. وفي الأسابيع الأخيرة، تحول النقاش في إسرائيل من ما إذا كان الضم سيتم إلى ما هو الذي سيتم ضمه، مما يؤكد على المدى الذي تُلعَب فيه اللعبة بشروطه. ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاكمة بتهمة الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة؛ وتحدياً من شركاء الائتلاف اليميني الجامح؛ وعودة لـ”كوفيد- 19″؛ وركوداً اقتصادياً والمشكلة الدائمة التي تمثلها إيران. ولكن، إذا كان البقاء في السلطة وإغلاق الباب نهائياً أمام قيام دولة فلسطينية حقيقية هي أهدافه المباشرة، فإنه يفوز، مع قدر كبير من الرياح في ظهره.
في يوم من الأيام، سوف ينفَد نتنياهو من السحر، ولكن في الوقت الحالي، فإن سمعته كساحر سياسي ما تزال مُستحَقّة تماماً. عندما لم يتمكن من الحصول على أغلبية بعد ثلاثة انتخابات في غضون عام واحد، أبرم صفقة ائتلافية مع منافسه بيني غانتس، وهو ما لم يؤدّ إلى إعادة تأهيل نتنياهو وحزبه الليكود (الحركة السياسية المتماسكة الوحيدة في إسرائيل اليوم) فحسب، وإنما أجبر غانتس أيضاً على تدمير تحالف يسار الوسط. وإذا -وعندما- يحدث التناوب المتفق عليه على رئاسة الوزراء وينتقل المنصب إلى غانتس (من المقرر أن يتولى منصبه في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021)، سيحتفظ نتنياهو بالأغلبية في الكنيست، تاركًا غانتس مع عدد قليل من المقاعد وصورة السياسي الذي أبرم عقداً مع الشيطان وخان أنصاره حتى يفعل ذلك.
في الواقع، يبدو غانتس أكثر فأكثر مثل الليكودي اليميني العجوز الذي يمكن كثيراً أنه يكونه. في الأسبوع الماضي، بدا أنه يدعم خطة نتنياهو للضم حين قال للصحفيين أنه إذا كان الفلسطينيون يرفضون المفاوضات إلى الأبد، فإن الإسرائيليين سوف يمضون قدماً من دونهم. وليس لدى نتنياهو مطلق الحرية عندما يتعلق الأمر بالضم. لكنه سيتمكن، بموجب شروط اتفاقية الائتلاف، من المضي قدماً بخطته وعرضها للنقاش في مجلس الوزراء والحكومة في أي وقت في -أو بعد- الأول من تموز (يوليو). وبالضم أو بعدمه، يمكن لنتنياهو أن يعتمد على الدعم الشعبي القوي للاحتفاظ بغور الأردن والكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية إلى الأبد. وفي الوقت الحالي، ليس هناك أي ضغط جاد على نتنياهو للتنازل عن أي شيء -وإنما فقط أن لا يأخذ المزيد.
حلم يتحقق
كان أفضل حلفاء نتنياهو في جهوده لإخماد التطلعات الوطنية الفلسطينية هم الفلسطينيين أنفسهم. فبكونها منقسمة، مختلة وظيفياً ومن دون اتجاه، تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية وكأنها فلك نوح: فقد خلقت خصومات فتح وحماس المتنازعتين نسختين من كل شيء -دويلات، وأجهزة أمنية، ودساتير، ورعاة. أما الرئيس الفلسطيني المحاصر محمود عباس، فهو عالق بين وضع راهن يعرض احتلالاً مستمراً، وتغيير يأخذ الشكل غير الجذاب للكفاح المسلح، وتفكيك السلطة الفلسطينية، أو قبول خطة ترامب للسلام التي تقدم في أفضل الأحوال بقايا دولة.
وقد أصبح الجمهور مزدرياً باطراد لقيادة عباس، التي يُنسَب إليها الفضل في إدارة الوباء بنجاح، وإنما القليل غير ذلك. ويُنظَر إلى تهديداته بقطع جميع العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك التعاون الأمني، على أنها إعلانات جوفاء؛ والأسوأ من ذلك اعتماد السلطة الفلسطينية على إسرائيل في كل شيء، من تصاريح السفر إلى الماء والكهرباء والعلاج الطبي. ومن غير المرجح أن تشن حملة عنف وإرهاب منظمة، لأن ذلك سوف يعمل لصالح حماس. كما لا يبدو اندلاع انتفاضة عفوية وشيك الحدوث. وفي وقت سابق من هذا الشهر (حزيران/ يونيو)، حشدت فتح الآلاف في شوارع أريحا للاحتجاج على الضم. لكنها كافحت في رام الله من أجل إقناع 200 شخص بالظهور.
كان عباس حلماً تحقق بالنسبة لنتنياهو. فمع استعداده للتعاون مع إسرائيل في مجال الأمن وتجنب كل من العنف وطاولة المفاوضات، قام عباس بالكثير لتعزيز حملة نتنياهو لإغلاق الباب أمام إقامة دولة فلسطينية ذات معنى. كما تعتبره إدارة ترامب تجسيدًا لكل ما هو خطأ في الفلسطينيين، مما يساعد على تحرير نتنياهو من أي ضغط أميريكي جاد. ولا يعني ذلك أن هناك الكثير الذي كان بإمكان الرئيس الفلسطيني أن يفعله لتحسين موقف السلطة الفلسطينية. وقد حثه البعض على طرح خطته الخاصة للسلام. ولكن أي نوع من الخطط ستكون هذه؟ إن عباس عالق بين الاستسلام وبين المقترحات التي لن يقبلها نتنياهو وغانتس والجمهور الإسرائيلي أبداً -مثل عودة إلى حدود حزيران (يونيو) 1967 مع مبادلات في الأراضي والقدس الشرقية كعاصمة فلسطينية.
كما تلقت طموحات نتنياهو دعماً إضافياً من الدول العربية، وخاصة في الخليج، والذي كان قد سعى إلى نيله. وحتى عندما واصل بناء المستوطنات وتحرك نحو إحباط التطلعات الفلسطينية، ازدهرت علاقات حكومته مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وترقص رؤى توافقات عدم المشاركة في حرب -بل وحتى التطبيع- حول رأس نتنياهو. وهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذا الانفراج مع دول الخليج العربية سيستمر: قلق السعودية والإمارات من صعود إيران؛ وإحباط العرب وإرهاقهم من الفلسطينيين؛ والرغبة، خاصة في الخليج، في الحفاظ على علاقات وثيقة مع إدارة ترامب التي تتقاسم وجهات نظر إسرائيل المعادية لإيران، كلها عوامل ساعدت على مواءمة المصالح الإسرائيلية والعربية، وبما أدى إلى ظهور إيماءات علنية مثل زيارات الرياضيين الإسرائيليين والدبلوماسيين ورجال الأعمال إلى الخليج، بالإضافة إلى المزيد من التعاون الأمني والاستخباراتي المتميز المنفصل.
في الأسابيع الأخيرة، سلطت مسألة الضم الضوء على كل من الوعد والحدود التي تنطوي عليها هذه العلاقات الجديدة. في حزيران (يونيو)، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية مقالاً غير مسبوق لسفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، بالإضافة إلى مقطع فيديو خاطب فيه الجمهور الإسرائيلي مباشرة، محذرًا من تدهور العلاقات إذا مضت إسرائيل قدماً بالضم، وواعداً بعلاقات مطورة إذا تراجعت عنه. وبعد فترة وجيزة، وجه نواف عبيد، المستشار السياسي السعودي السابق المرتبط بالعائلة المالكة، نداء مشابهاً على صفحات صحيفة “هآرتس”. وبعد أيام لاحقاً، في إيجاز بالفيديو للجنة اليهودية-الأميركية، أعرب أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، عن معارضته للضم، لكنه أوضح أن الخلافات السياسية يجب ألا تمنع التعاون مع إسرائيل في الشؤون الإقليمية. ومن الواضح أنه بينما يدرس نتنياهو ما إذا كان سيضم أم لا، فإنه سيبحث عن طرق للحفاظ على مكاسبه الرائعة مع دول الخليج. وبالنظر إلى الفوائد التي تجنيها هذه الدول من تحسن علاقتها مع إسرائيل، فإنها ربما تبحث عن طرق لفعل الشيء نفسه.
ومع ذلك، يبرز من بين العوامل المساعدة لنتنياهو شريك واحد. على الرغم من أن إدارة ترامب أرسلت مؤخرًا إشارات متضاربة بشأن مسألة الضم، إلا أن الرئيس الأميركي وفريق السلام التابع له فعلوا الكثير لدعم جهود نتنياهو البطيئة والماكرة لقتل الدولة الفلسطينية. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، سعت إدارة ترامب إلى ما لا يقل عن إعادة صياغة السياسة الأميركية بشأن حل الدولتين بحيث تتماشى مع رغبات نتنياهو: بقايا دولة فلسطينية على 70 في المائة من مساحة الضفة الغربية؛ عاصمة رمزية في ضاحية أو اثنتين من ضواحي القدس الشرقية؛ ومجموعة من الشروط التي يترتب على الفلسطينيين الوفاء بها، والمرهقة للغاية لدرجة أن سفير ترامب نفسه في إسرائيل قال مازحاً إنهم سيحتاجون إلى أن يصبحوا ديمقراطية مثل كندا حتى يتأهلوا.
نعم، إن تأييد الولايات المتحدة لقيام دولة فلسطينية يتسبب لنتنياهو بألم في المعدة مع جناحه اليميني. لكن القائمة الطويلة من الأشياء الجيدة والهبات التي أسبغتها عليه إدارة ترامب -من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل وفتح سفارة الولايات المتحدة هناك، إلى إعلان مرتفعات الجولان أراضٍ سيادية إسرائيلية، إلى فتح الباب لضم غور الأردن وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية في خطتها للسلام- أعطته ميزة استثنائية. ولم تقتصر هذه الخطوات على السماح لإسرائيل بتوسيع أراضيها بشكل مطرد فحسب؛ لقد كفلت عمليا أن لا يأتي الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات أبداً أيضاً.
موت دولتين
قد يتساءل المرء لماذا يخاطر نتنياهو بتعريض كل هذه المكاسب للخطر من أجل بسط القانون الإسرائيلي على أراضٍ يسيطر عليها بلده فعلياً ولا يضغط عليه أحد من أجل إعادتها. لماذا يحرض قضية فلسطينية غير عاملة وظيفياً، ويثير غضب الدول العربية (وخاصة الأردن)، ويهدد بصداع محتمل مع الأوروبيين -وفي حالة قدوم إدارة أميركية جديدة، اختبار بداية سيئة؟ لقد ساعد تعويم فكرة الضم قبل الانتخابات الثلاثة الأخيرة نتنياهو مع قاعدته الانتخابية. ولكن كيف يمكن أن تساعده الآن؟
يمكن أن يكون الجواب في الإرث الذي يأمل أن يتركه وراءه. سوف يعني تطبيق القانون الإسرائيلي على جزء كبير من الضفة الغربية النهاية التي لا رجعة فيها لمشروع الدولة الفلسطينية، مما يجعله رئيس الوزراء الذي لم يكتف بدفن حل الدولتين، وإنما قام بضم أملاك مختارة من الضفة الغربية أيضاً. في العام 2014، مرر الكنيست قانونًا أساسيًا يطالب بأغلبية عظمى، 80 عضوًا من أصل 120، لتمرير أي تشريع يختزل المدى المناطقي لسريان القانون الإسرائيلي. وبعبارة أخرى، سيكون من المستحيل تقريبًا على الكنيست تمرير إجراء للتنازل عن الأراضي التي تم تطبيق القانون الإسرائيلي فيها مسبقاً. وإذا كان ثمة حبة سُم لقتل حل الدولتين، فقد كانت القانون الأساسي للعام 2014.
من المستحيل تخمين ما سيفعله نتنياهو في -أو بعد- الأول من تموز (يوليو). ولكن، بغض النظر عما يحدث في الأيام والأسابيع المقبلة، فإن احتمالات حل قائم على أساس الدولتين والذي يكون مقبولاً من كلا الطرفين ضئيلة إلى لا شيء -في ظل أي ظروف متوقعة.
وليس نتنياهو هو المهندس الوحيد لهذا الوضع القاتم. على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، كان غياب قادة أقوياء من كلا الجانبين؛ والشك العميق وعدم الثقة بين الطرفين؛ والصدمات التاريخية التي تنطوي عليها الروايات المتصادمة؛ والصعوبة البالغة للقضايا نفسها (بما في ذلك القدس واللاجئون والمستوطنات الإسرائيلية والإرهاب الفلسطيني)؛ وعدم فعالية الوساطة الأميركية؛ والكسل الذي يصنعه وضع راهن اعتُبر أقل خطورة بكثير من تغيير يعوزه اليقين، قد عملت كلها على تعريف المشهد، وحالت دون وصول الأطراف إلى أرضية مشتركة. لكنّ نتنياهو، بعد أن كل ما في وسعه لقتل حل الدولتين لمعظم العقد الماضي، ينتظر الآن حاملاً مجرفة في يده، لدفنه.

*زميل أقدم في مؤسسة كارنيغي، ومحلل سابق ومستشار ومفاوض في وزارة الخارجية في الإدارات الأميركية الجمهورية والديمقراطية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What Annexation Would Really Mean for Middle East Peace: Benjamin Netanyahu Is Ready to Bury the Two-State Solution

هامش المترجم:
(1) الدودو: طائر منقرض ضخم عاجز عن الطيران. كان يستوطن جزيرة موريشيوس، شرق مدغشقر في المحيط الهندي. وأقرب نوع للدودو ومن نفس الفصيلة هو طائر ناسك رودريغيس. والدليل الوحيد على وجود الدودو هي اللوحات المرسومة في القرن السابع عشر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock