ترجمات

ما الذي ينبغي أن تفعله أوروبا مع أطفال “داعش”؟

تشارلوت ماكدونالد-جيبسون* – (نيويورك تايمز) 23/7/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بروكسل– لم يكن الصبي بعمر 9 سنوات يحب المدرسة. لم يحب الأولاد الآخرين، لأنه يعرف ما هم عليه حقاً: كفار أشرار يستحقون الموت. ولذلك، فعل ما تم تدريبه على فعله -هاجمهم. وتم إبعاده من مبنى المدرسة في أول يوم له هناك.
أمضى الصبي سنتين بعيداً عن موطنه الأوروبي في مكان علّموه فيه العدّ بضربات السوط على ظهر ضحية تعذيب؛ وحيث كانت مشاهدة عمليات قطع الرؤوس العلنية في الساحات العامة جزءاً من المنهاج المدرسي؛ وحيث كان دوره الوحيد هو أن تتم قولبته في شكل جهادي مستقبلي، أو أن يكون “شبل الخلافة”. وقد حولته السنوات التي قضاها في معقل “داعش” في الرقة السورية، إلى صبي وحشي، متطرف ومشوش بعمق.
وهو واحد من نحو 5.000 رجل وامرأة وطفل أوروبيين يعتقد أنهم سافروا إلى أراضي “داعش” منذ العام 2012 للقتال مع الإسلاميين أو العيش في ما تُسمى خلافتهم، في تجاهل للحاجات الهائلة للأطفال المتضررين.
عاد الصبي إلى الوطن في أوائل العام 2016 مع والدته -التي كانت قد اعتنقت الإسلام وتواجه المحاكمة الآن- ليجد نفسه في عالَم تم تدريبه على كراهيته، وحيث لا يثق بشيء ولا بأحد.
يقول دانيل كويلر، الزميل في برنامج جامعة جورج واشنطن للتطرف ومستشار للعائلة، والذي يقيم في شتوتغارت، ألمانيا: “شعر بأنه محاط بأناس أشرار. هؤلاء الأطفال يوضعون تحت ضغط متواصل، ويقال لهم: سوف تُحرَقون، سوف تعذَّبون إذا لم تفعلوا هذا -إذا لم تقتلوا هذا الكافر، سوف تذهبون إلى جهنم، وسوف تذهب أمهاتكم إلى جهنم أيضاً. إنه تعذيب نفسي مستمر”.
أخبرني السيد كويلر بقصة الصبي، وطالب بوضع استراتيجية لإعادة تأهيل الأطفال بعد المحاولة الكارثية لإعادة الصبي إلى المدرسة. ولم يكشف السيد كويلر عن البلد الأوروبي الغربي الذي يعيش فيه الصبي.
وقال السيد كويلر: “إنه موقف متصلب جداً تجاه هؤلاء الأفراد. معظم الناس سيفضلون أن يروه ميتاً أو أمام المحكمة أو موضوعاً خلف القضبان إلى الأبد. إنها قضية لا ينتبه إليها معظم السكان –هناك أطفال ليس لهم أي ذنب من أي نوع”.
يضع عمر رمضان، رئيس مركز شبكة التميز للوعي بالتطرف التابعة للاتحاد الأوروبي، عدد الأطفال الأوروبيين في مناطق تنظيم “داعش” عند المئات، ولو أن من المستحيل معرفة العدد على وجه اليقين. وفي حين أن لدى الحكومات بعض البيانات عن الأولاد الذين غادروا مع والديهم، فإن “داعش” يحظر استخدام وسائل منع الحمل، لأن واجب المرأة بالنسبة إليه هو خلق الجيل القادم من المحاربين. وعندما يولد طفل في “الدولة الإسلامية”، فإنه يدخل العالم من دون جنسية. ومع أن “الدولة الإسلامية” تصدر شهادات ميلاد، فإنه ليست هناك دولة تعترف بها.
منذ سن 4 سنوات، يبدأ الأولاد المدرسة؛ حيث يتم تعريضهم لمنهاج وحشي. وتقول نيكيتا مالك، الزميلة الرفيعة في جمعية هنري جاكسون، المؤسسة البحثية في لندن حيث درست نيكيتا المواد التعليمية لمدارس “الدولة الإسلامية”: “كتاب الحساب الشائع يضع البرتقال والتفاح، ثم الدبابات والبنادق العسكرية على الصفحة نفسها. مستوى تخرجهم -الأولاد الذكور بشكل خاص- يستند إلى مدى قدرتهم على تطبيع أنفسهم مع العنف. وهكذا، وبينما ينظر إلى عمليات الشنق، والإعدام العلني، والجَلد -يُطلب من الطفل أن يحصي عدد الجَلدات”.
تنتهي المدرسة بالنسبة للفتيات في سن 9 سنوات، عندما يعتبرن كبيرات بما يكفي للزواج. وفي العمر نفسه، يبدأ الأولاد التدريب العسكري، ولو أنهم يُستخدمون في سنّ أصغر في أفلام الدعاية. ويعرض أحد مقاطع الفيديو ولداً بعمر نحو 4 سنوات وهو يطلق النار من مسدس على سجين في حفرة لعب للأطفال.
شاهد جان كيزلهان، الطبيب النفسي الكردي الألماني، عن كثب نوع الضرر الذي يمكن أن يصنعه تلقين “داعش” للأطفال. وهو يعالج جنوداً أطفالاً من العراق، وآخرين من الأقلية الأيزيدية الذين أخذتهم ألمانيا كلاجئين بعد أن جندتهم “الدولة الإسلامية”. وقد تعرض هؤلاء الأطفال للاغتصاب، والتعذيب والقتل -وأُجبِروا في بعض الحالات على أن يكونوا جزءاً من الفظاعات هم أنفسهم.
ويقول إن “العدوانية هي واحدة من المشاكل الرئيسية”، وبالإضافة إلى “الكوابيس، ومشاكل النوم، وانعدام التركيز، ربما تكون لديهم بعض المشاكل العصبية أيضاً. لقد دربهم ’داعش‘ على أدنى مستوى من التعاطف”.
الدكتور كيزلهان مقتنع بأن الأمر يتطلب سنتين على أقل تقدير من التدخل اليومي للعاملين الاجتماعيين والمعالجين النفسيين والمعلمين والمهنيين الآخرين لمنح هؤلاء الأطفال فرصة لعيش حياة طبيعية. ويقول: “هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى الأمن، إنهم يحتاجون إلى الاستقرار، وهم يحتاجون إلى إعادة التوجيه”.
ولكن، ليس أمن الأولاد العائدين فقط هو أكثر ما يقلق الحكومات -إنه أمن الدولة. فقد نفذ مواطنون فرنسيون وبلجيكيون ممن قضوا وقتاً مع “الدولة الإسلامية” هجمات إرهابية في كلا البلدين، وأصبح موضع تركيز السلطات هو مراقبة المقاتلين السابقين لملاحظة أي إشارات على أنهم يمكن أن يزرعوا الرعب في الوطن، أو محالة منعهم من العودة في المقام الأول. وهكذا، فإن الأطفال العالقين في تقاطع النيران ليسوا أولوية، ببساطة.
لا تبذل الحكومات أي جهد لإخلاء مواطنيها من منطقة الصراع. وقد عبرت عن ذلك جيسيكا سورز، فقالت: “من يريد أن يتحمل المسؤولية عندما يعود ذئب في ثياب حمل؟”، وتترأس السيدة سور فريقاً لمكافحة الإرهاب في بلدية فيلفوردي البلجيكية؛ حيث وُلد ثمانية أطفال على الأقل في مناطق “داعش” لمواطنين محليين. وتضيف السيدة سورز: “على المستوى السياسي، سيكون من الصعب إقناع الرأي العام بأننا، كدولة، نساعد عودة المقاتلين الأجانب”.
لكن أولئك الذين يريدون العودة سيجدون وسيلة لذلك، وتتجاهل السياسات التي تتسبب بالخوف والتحامل فوائد التدخل المبكر في حياة الأطفال الذين تم دفعهم إلى التطرف، وتجبرهم ببساطة على الذهاب إلى مواقف تزداد خطورة باطراد.
في الوقت الراهن، يخاطر أولئك الذين يفرون من “داعش” بالتعرض للموت أو الأسر، ثم يترتب عليهم السفر خلال المنطقة التي تسيطر عليها الميليشيا إلى تركيا. وفقط عندما يدخلون قنصلية أو سفارة لبلدهم الأم يستطيعون تلقي المساعدة. وهناك، تحتاج جنسية أي طفل ولد في سورية أو العراق إلى تأكيد، غالباً من خلال إجراء اختبار الحمض النووي. وهناك العديد من الأولاد الذين لهم أم وأب من جنسيتين مختلفتين، مما يثير قضايا محتملة تتعلق بالحضانة. وما إن يصبح الطفل في الوطن، فإن أحد الوالدين أو كليهما يمكن أن يتعرض للسجن، مما يثير الأسئلة حول من هو الذي يجب أن يصبح الوصي على الطفل. ثم على الطفل أن يعاود الانضمام إلى النظام التعليمي.
هذه التعقيدات الكثيرة -والزيادة المحتملة في أعداد العائدين بينما يخسر “داعش” السيطرة على الرقة والموصل- تتطلب نهجاً دقيقاً واستراتيجية على مستوى أوروبا للتعامل مع الأولاد. ويجب أن يكون هناك تدريب للمعلمين والعاملين الاجتماعيين، ومبادئ توجيهية واضحة بشأن قضايا مثل إعادة التحاق الأولاد بالمدارس ومن هو الطرف الأفضل تأهيلاً لرعاية الطفل. ويجب أن تركز السياسات على حماية الأطفال بدلاً من شيطنة الأسرة.
في السنوات الخمس الماضية، كان الأطفال في فيديوهات الإعدام موضوعاً لعناوين الأخبار المسلية والتقارير التلفزيونية المثيرة. وعلى سبيل المثال، أطلقت صحف التابلويد البريطانية على طفل بريطاني بعمر 4 سنوات مع “داعش” اسم “جهادي جونيور”. ويركز مسؤولو الأمن الأوروبيون على احتمال أن يكون الأطفال المتطرفون هم الجيل القادم من الإرهابيين. وقد وصف مسؤول بريطاني هؤلاء الصغار بأنهم “قنابل موقوتة”.
ولكن، ليس هناك أي شيء أكثر خطورة من المزيد من الوصم لهؤلاء الأطفال وبالنسبة للصبي بعمر التاسعة الذي هاجم زملاءه في الصف، كانت الأذرع الآمنة والمحبة لجده، الملتفة حوله بإحكام بينما يجلسان في الملاعب، هي التي سمحت له بأن يرى الأولاد الآخرين كرفاق لعب، وليس كأعداء. وبعد سنة من الإشراف الحثيث، عاد إلى المدرسة، وبدأ عملية كونه طفلاً مرة أخرى.
الأطفال من أمثال هذا الصبي هم الضحايا البريئة للحرب، والذين يعترف القانون الدولي بكونهم كذلك. ولكن، عندما يأتي الأمر إلى الحرب ضد “داعش”، يبدو أن الكثير من الناس ينسون هذه الحقائق الأكثر أساسية.

*مؤلفة “المنبوذون: القصص الحقيقية للنجاة من أزمة اللجوء في أوروبا”.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 What Should Europe Do With the Children of ISIS?

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock