أفكار ومواقف

ما العمل إزاء تغير الأعمال وانحسارها؟

ثمة انحسار واسع في التشغيل والأعمال؛ ليس فقط بسبب سياسات متبعة في الاقتصاد والأسواق، أو في فشل قطاعات اقتصادية وإنتاجية؛ لكن بسبب تغيرات بنيوية وجذرية في الموارد والأعمال الناشئة من تقنيات جديدة تلغي أو تقلل كثيرا من العمل والتدخل الإنساني في الأعمال والمؤسسات والأجهزة.
وهنا يمكن الملاحظة والتساؤل حول ظواهر وتشكلات جديدة أو آخذة بالتشكل، مثل اتساع نطاق ومجالات الأعمال غير الرسمية أو غير المسجلة، وفرص العمل والتجارة من خلال الشبكة، وقد أحدثت الظاهرة آثارا مهمة في أنظمة العمل وأسواقها كما المؤسسات المنظمة للضرائب والأعمال التجارية، وقد شهدنا قبل فترة وجيزة جدلا واسعا حول الضريبة على السلع المستوردة من خلال الشبكة. وبالطبع فإنها حالة أو ظاهرة تقود إلى التساؤل عن العقد الاجتماعي الجديد المفترض صياغته او تشكله لتنظيم العلاقة بين الفئات والطبقات والمؤسسات، ففي قدرة الإنسان على العمل من خلال الشبكة متجاوزا السلطة السياسية ومؤسساتها وفي حالة البطالة الجماعية الواسعة لكثير من الناس يدور سؤال تلقائي عما يمكن ويجب فعله، هل يجب على الدولة أن تواصل التزامها بالعمل والتشغيل لجميع المواطنين أم تنسحب من هذه المسؤولية، وفي حال انسحابها ما العلاقات والالتزامات والحقوق والواجبات الناشئة بفعل تخلي السلطة عن التزاماتها وأعمالها؟
يتحدث البنك الدولي (تقرير 2019) عن الربيع العربي بما هو أزمة العقد الاجتماعي، ويلاحظ التقرير أيضا اتجاهات الطبقة الوسطى الجديدة في إرسال أبنائها إلى المدارس الخاصة والتعامل مع المستشفيات الخاصة بدلا من المدارس والمستشفيات الحكومية، بل وفي بعض البلدان صارت الطبقات الوسطى تمتلك مصادرها الخاصة للمياه والطاقة، وهناك أعداد كبيرة من المواطنين الذين يحتاجون إلى رعاية صحية واجتماعية مؤسسية ومتخصصة مثل بعض كبار السن والمعوقين والمصابين بأمراض تحتاج إلى عناية خاصة في التعليم والتنشئة والعلاج مثل مرضى التوحد ومتلازمة داون وصعوبات التعلم وصعوبات النطق أو المصابين بأمراض مزمنة تحتاج إلى تعايش مستمر مثل السكري وأمراض القلب وضغط الدم، .. أو المصابين بأمراض غير مشمولة بالتأمين الصحي مثل الأمراض النفسية والعصبية، هؤلاء المواطنون يتحمل ذووهم من غير معونة مالية أو فنية تكاليف وأعباء العناية بهم وعلاجهم ومراجعاتهم للمستشفيات والمتخصصين، وفي أحيان كثيرة تكون التكاليف مرتفعة، إذ يحتاج بعض كبار السن إلى عناية تمريضية واجتماعية متواصلة على مدى اليوم والساعة، ويحتاج بعض المرضى إلى عناية وعلاج وأدوية متخصصة ومكلفة.
وهي ظاهرة تقود بالطبع إلى التساؤل عن التزامات المواطنين وخاصة الطبقات الوسطى تجاه المطالب الحكومية، فلماذا يستمر المواطنون في دفع ضرائب مرهقة وهم لا يحصلون في المقابل على الخدمات الأساسية المفترض أن تؤديها الحكومة في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وماذا تتوقع الحكومة من تضامن وتأييد أو تفاعل واهتمام مع سياساتها ومواقفها وهي عزلت نفسها، أو انسحبت من هموم الناس وتطلعاتهم؟ ماذا تتوقع الحكومة من المواطنين الذين يتحملون وحدهم من غير مساعدة حكومية أعباء مالية وعملية ونفسية كبيرة تستهلك مدخراتهم، أو تدفع بأعداد كبيرة منهم إلى الفقر؟ وبماذا تفكر اليوم طبقات اجتماعية واسعة تعتمد على نفسها في إدارة وتأمين خدمات واحتياجات كانت متوافرة مجانا أو برسوم وتكاليف رمزية أو مقدور عليها؟
الحكومة تهرب من ذاتها، وتلعب في الوقت الضائع، وتحاول تمضية الوقت بأعمال ومبادرات وهمية تشبه طبخ الحجارة مؤملة أن تحصل من المواطنين على مهلة أو فرصة من الانتظار لحين رحيلها.. أو لعل الله يحدث أمرا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock