ترجمات

ما المتوقع من عسكرة السياسة الخارجية التركية؟

يافوز بيدر* – (أحوال تركية) 2/7/2020

استثمرت تركيا بكثافة في صناعة الدفاع إلى حد وصل إلى مستوى إقامة مجمع صناعي عسكري يشمل كلا من الأقسام المؤيدة لحزب العدالة والتنمية والعلمانية في عالم الأعمال والمؤسسات العامة. وتنتج تركيا الآن طائرات مسلحة من دون طيار، وأنظمتها الصاروخية، وتشترك في إنتاج مروحيات هجومية، ودبابات وسفن حربية. كما تقوم حاليًا ببناء حاملة طائرات على موانئ وأرصفة السفن. وعلى الرغم من الاضطرابات في السنوات القليلة الماضية، ما تزال تركيا حتى الآن أقوى قوة عسكرية في المنطقة. وقد أدركت أنقرة فوائد استخدام هذه القوة بشكل أكثر فعالية.

  • * *
    ما هو جوهر السياسة الخارجية التركية الحالية؟ ماذا نتوقع بعد ليبيا إذا كانت ساحة اختبار نهائية لمذهب أنقرة الجديد المتمثل بعسكرة السياسة الخارجية؟
    هنا، يمكن أن يساعد التحليل الذي نشره إلهان أوزغل على تجميع القطع الأحجية معاً. وفي عمل مقنع، يقدم لنا أوزغل -كاتب عمود في الموقع الإخباري الالكتروني، دوفار- “صورة مقطعية” لعقلية أنقرة. ويطلق أوزغل عليها اسم “الدفاع الأمامي”، وهو ما يتناسب مع خط السياسة الذي طالما نادى به بهجلي، ويقدم لنا تعبيرًا رئيسيًا آخر، وهو “الجيش أولاً”.
    ومن خلال هذا التعبير الأخير، يلخص أوزغل بشكل صحيح فكرة “عسكرة السياسة الخارجية التركية”. وكتب أوزغل: “لم يعد سراً أن سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية العثمانية التي تتطلع إلى فرض الهيمنة الإقليمية، والتي يُفترض أنها تعتمد على تعاون مختلف فروع الإخوان المسلمين، قد انهارت. وبعد فاصل زمني اضطرت الحكومة خلاله للتعامل مع احتجاجات ميدان غازي وفضائح الفساد التي أثارتها حركة غولن، وجدت حكومة أردوغان أنه من الملائم إقامة تحالف مع القوميين من أجل إطالة فترة حكمها، وأيضاً لانتهاز الفرصة لفرض الهيمنة الإقليمية، هذه المرة من خلال اتباع وسائل أخرى”.
    ويتابع أوزغل: “يضم هذا الائتلاف الجديد الإسلاميين، وحزب الحركة القومية، والتيار الأوراسي، بما في ذلك الحزب الوطني، مما يعكس أقوى تيارات أيديولوجية في تاريخ تركيا. وفي حين أن التقاليد السياسية اتفقت بالكامل على قمع المعارضة السياسية الكردية وبقايا حركة غولن، فإن هذه الشراكة أثرت أيضًا على السياسة الخارجية لتركيا. وينعكس هذا في العسكرة غير المسبوقة للبلاد وظهور مبدأ ‘الدفاع الأمامي’”.
    “عقيدة الدفاع الأمامي لتركيا هي واحدة من سلسلة من التحولات في سياستها الخارجية والأمنية، وتشمل السياسات الأخرى سياسة الابتزاز تجاه الاتحاد الأوروبي، واستخدام اللاجئين كورقة مساومة، وتحقيق التوازن بين روسيا والولايات المتحدة، والتدخل في جميع النزاعات تقريبًا في المنطقة الأوسع”.
    ويجادل أوزغل بأنه لم يكن من قبيل المصادفة أن ما تسمى بـ”عقيدة الوطن الأزرق”، التي طورها الأدميرال، جيم غوردينيز في العام 2006، عادت إلى الظهور مرة أخرى. ولكن، لأنه خلال هذا الوقت ظهرت سياسة “لا مشاكل مع الجيران”، التي وضعها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو على الطاولة، فقد وُضعت سياسة “الوطن الأزرق” على الرف.
    يقول أوزغل: “وعلى عكس دلالاتها السلبية، كانت سياسة ‘لا مشاكل مع الجيران’ أو ما يسمى بسياسة “صفر مشاكل” مشروعًا توسعيًا يهدف إلى السيطرة على الأراضي السابقة التي كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية من خلال أدوات القوة الناعمة. وعلى الرغم من أن سياسة ‘لا مشاكل مع الجيران’ تتحدى الفكر الكمالي، وأن عقيدة ‘الوطن الأزرق’ هي نتاج الضباط البحريين الكماليين، إلا أن كلتا السياستين اعتمدتا في النهاية على فكرة إعادة تأكيد نفوذ تركيا في منطقتها الأوسع”.
    “ولكن بعد العام 2015، اندمجت هاتان العقيدتان في تآزر جديد وشكلتا العمود الفقري لوضع سياسة خارجية أكثر حزماً وعسكرة. وأدرك القوميون أن التحالف مع أردوغان سيعمل لصالحهم وسيحقق بعض المزايا المهمة، مثل استخدام الإسلاميين المتطرفين كوكيل في سورية وليبيا، وإقامة علاقات عسكرية مع قطر والصومال. ولا يعارض القوميون العلمانيون إقامة علاقات مع الحكومة الإسلامية التي يقودها سراج في ليبيا. وهكذا، اندمجت العقيدتان الاستراتيجيتان بصمت وجلبتا دينامية جديدة، تنعكس في تزايد الاستبداد في الداخل والعسكرة في الخارج. وفي حين كانت المعارضة السياسية، باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، متخوفة من عواقب هذه الاستراتيجية الجديدة، إلا أنها كانت تدعم هذه السياسة الخارجية الحازمة الجديدة. وفي هذه الأثناء، يؤيد الرأي العام هذه السياسة بشكل عام، باستثناء عملية التوغل في ليبي”.
    ويرى أوزغل ثلاث ركائز لسياسة “الدفاع الأمامي”.
    الركيزة الأولى هي “العسكرة الثقيلة” لسياسة تركيا الخارجية -نشر جيشها في المناطق المنكوبة بالحروب في جميع أنحاء العراق وسورية وشرق البحر الأبيض المتوسط، ونشر طائرات مسيّرة مسلحة في قبرص، وإنشاء قواعد عسكرية في الصومال وقطر.
    الركيزة الثانية هي أن دفاع تركيا يبدأ في مناطق عبر الحدود، من خلال إنشاء القواعد العسكرية، ونشر القوات في قبرص وقطر والصومال وشمال العراق وليبيا.
    أما الركيزة الثالثة، كما يراها أوزغل، فهي من أكثر الجوانب التي لا يتم الكشف عنها بالكامل:
    يقول أوزغل: “لقد استثمرت تركيا بكثافة في صناعة الدفاع إلى حد وصل إلى مستوى إقامة مجمع صناعي عسكري يشمل كلا من الأقسام المؤيدة لحزب العدالة والتنمية والعلمانية في عالم الأعمال والمؤسسات العامة. وتنتج تركيا الآن طائرات مسلحة من دون طيار، وأنظمتها الصاروخية، وتشترك في إنتاج مروحيات هجومية، ودبابات وسفن حربية. كما تقوم حاليًا ببناء حاملة طائرات على موانئ وأرصفة السفن. وعلى الرغم من الاضطرابات في السنوات القليلة الماضية، ما تزال تركيا حتى الآن أقوى قوة عسكرية في المنطقة. وقد أدركت أنقرة فوائد استخدام هذه القوة بشكل أكثر فعالية”.

هل أثبتت هذا العقيدة نجاحها من الناحية العملية؟
يستنتج أوزغل ما يلي: “لقد ساعدت هذه العقيدة تركيا على الحصول على مكاسب حاسمة واستراتيجية من غير المرجح أن تتخلى عنها حتى لو تنحى حزب العدالة والتنمية. إن الثلاثي القوي المتمثل في القوة العسكرية التركية، والتقدم التكنولوجي الأخير (الطائرات المسيّرة من دون طيار، وقدرات النقل الجوي، والجيش المحترف، والسفن الحربية الحديثة)، والاستخدام الفعال للمقاتلين الإسلاميين في شكل مرتزقة أو كوكلاء، أثبت قوة هائلة في قلب توازن القوى على الأرض”.
تساعدنا هذه التأكيدات على فهم مدى جدية أردوغان وبهجلي في طموحاتهما للتقدم إلى أقصى حد ممكن، وتجاهل نداءات وقف إطلاق النار بالكامل في ليبيا، حتى يضمنا النصر في مدينة سرت ويأخذا قاعدة الجفرة الجوية. وبالنظر إلى المخاطر، وتقييمات الثنائي حول الأزمة المحلية والاضطراب العالمي، لا ينبغي أن يكون هناك شك في ذلك.
وتشير التقديرات من أنقرة إلى ظهور خريطة طريق للعمل على إثارة المشاعر الإسلامية والقومية في الأسابيع المقبلة. ويبدو أن أردوغان يرى الذكرى الرابعة لمحاولة الانقلاب كرمز لإطلاق سلسلة من الخطط والأعمال التي تهدف إلى تعزيز سلطته. ولذلك، فإن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد يحتل أولوية على أجندته هذا الأسبوع. ولكن، ماذا عن ليبيا؟
إن الهجوم على سرت، وفقًا لبعض المؤشرات، وشيك أيضًا.
يتساءل متين غوركان، كاتب العمود ذو الخلفية العسكرية، في مقال نشرته صحيفة “مونيتور”: “هل ستشجع تركيا حلفاءها على السير في سرت والجفرة على الرغم من التهديد المصري بالتدخل وخطر قيام روسيا بابتزاز تركيا في إدلب بسورية؟ هل يمكن لتركيا أن تخوض صراعًا عسكريًا تقليديًا ضد مصر وروسيا في ليبيا من دون تأجيج التوترات العسكرية مع روسيا في شمال سورية؟”.
وكانت إجابته عن السؤال: “على الرغم من النداءات من أجل وقف إطلاق النار من موسكو وغيرها، تشير الاستعدادات العملياتية لأنقرة إلى أن حلفاءها في ليبيا -قوات حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس- قد يحاولون التقدم نحو سرت والجفرة في النصف الثاني من تموز (يوليو)”.
هل هذا محتمل؟ بالتأكيد نعم. فأردوغان هو سيد خلق الأزمات، باستخدام نقاط الضعف عند خصومه، ومضايقة المنافسين، واتباع سياسات فرق تسد. ومعادلته تبدو بسيطة: من أجل البقاء سياسياً، عليك أن تضع الرهانات وأن تدخل في مقامرة جريئة.
ربما يخوض أردوغان هذه المقامرة وربما لا يخوضها، ولكن حقيقة الأمر هي أن السياسة الخارجية التي ساعد على تشكيلها ستخلق مشاكل أكثر مما تخلق من الحلول لمعالجة الفوضى العالمية الحالية. ويبدو أن كلمات مثل “المفاوضات المتحضرة” غير موجودة في النهج السياسي لأردوغان، للأسف.

*صحفي تركي، وهو مدون وشريك مؤسس في “بي24” (منصة الإعلام المستقل). يكتب بيدر أعمدة بشكل منتظم في صحيفتي “سودويتشه تسايتونغ” و”ذا أراب ويكلي”، بتركيز محدد على قضايا السياسة الخارجية والداخلية في تركيا. وتنشَر مقالات الرأي التي يكتبها في صحف نيويورك تايمز، الغارديان، إل بايس وكذلك في “مؤشر الرقابة على النشر”، سفينسكا داغبلاديت (يومية أخبار السويد)، وأوتريكس بوليتيسكا ماغازينتس (مجلة السياسة الخارجية في السويد).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock