اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

ما الهدف من السياحة؟

سامر عبد السلام المجالي*

عمان- يعد الأردن من مناطق الجذب السياحي المهمة في منطقة الشرق الأوسط، التي يقصدها الزوار من مختلف دول العالم وذلك لتنوع مواقعه ومنتجه السياحي من تاريخية وبيئية ودينية، إضافة إلى صروحه الطبية العريقة التي تجعله أيضا مقصداً للسياحة العلاجية. وتعد السياحة رافدا مهما للاقتصاد في الدول التي تحظى بميزات سياحية فريدة تجتذب إليها الزوار كما هو الحال في الأردن، وتسعى كل دولة لتنمية وتطوير منتجها السياحي لتعظيم مساهمته المالية في الدخل القومي ولاستحداث وإدامة فرص عمل لفئات مختلفة من المواطنين على اختلاف كفاءاتهم العلمية والمهنية وتعميم هذه الفائدة على أكبر عدد من الشرائح المجتمعية.
وتركزت سياسة ترويج السياحة تاريخيا في الأردن على زيادة أعداد السياح من خلال رصد الأموال وتخصيصها للجهود الترويجية من أفلام ومعارض وحملات دعائية، بالإضافة الى ما تم اعتماده حديثا من تحمل قيمة الضرائب والرسوم المفروضة محليا على تذاكر إحدى شركات الطيران العاملة من وإلى الأردن لتخفيض تكلفة السفر.
إن زيادة مساهمة القطاع السياحي في الدخل الوطني لا يتأتى بالضرورة من تنمية أعداد السياحة الوافدة فحسب، فهذه المساهمة ترتكز على ثلاثة عوامل هي أعداد السياح السنوية ومعدل صرف السائح اليومي ومعدل الأيام التي يقضيها السائح في الأردن، ومخرجات عملية ضرب هذه العوامل الثلاثة تشكل قيمة مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي.
فعلى سبيل المثال، فإن استقطاب 3 ملايين سائح سنويا وبمعدل صرف 100 دولار لكل منهم يومياً وبمعدل إقامة لمدة أسبوع يرفد الدخل القومي بـ2.1 مليار دولار سنوياً، بينما نجد أن استقطاب 1.5 مليون سائح أقل سنوياً ولكن بمعدل صرف 500 دولار لكل منهم يومياً وإقامة لمدة عشرة أيام يرفد الدخل القومي بأكثر من 7.5 مليار دولار سنويا.
هناك العديد من البلدان التي تعد وجهة سياحية شعبية (Mass Tourism Destination) يقصدها السياح بأعداد كبيرة لما تمتاز به من سواحل بحرية خلابة وبنية تحتية سياحية ذات طاقة استيعابية كبيرة من فنادق وأماكن ترفيهية متنوعة تناسب مختلف الأذواق كما هو الحال في بلدان مثل إسبانيا واليونان وغيرها، بالإضافة إلى وجود ميزات أخرى فيها قد لا تتواجد محليا. أما الأردن فيعد من الوجهات السياحية المتميزة (Boutique Tourism Destination) ذات خصائص جذب سياحي فريدة من نوعها لا توجد في وجهات السياحة الشعبية؛ فهناك الأماكن التاريخية والدينية والبيئية التي لا مثيل لها على مستوى العالم، بالإضافة إلى الصروح الطبية العريقة. هذه الخصائص مجتمعة تجعل الأردن ذا نمط سياحي متميز من فئة الوجهات السياحية النوعية (Quality) وليس من فئة الوجهات السياحة العددية (Mass).
وهذا النمط له إمكانات هائلة إذا أحسن استغلالها، عمت الفائدة على نطاق أوسع من مختلف القطاعات المعنية العامة والخاصة في المملكة، وذلك من خلال:

  • زيادة معدل الإنفاق اليومي لكل سائح الى أضعاف ما يتأتى من السياحة الترفيهية التقليدية العددية نظرا لخصوصية هذا النمط وندرته والقيمة المضافة المتأتية منه وجودته.
  • استثمار مصادر الدخل العالية هذه وتنوع الإمكانات السياحية لاستحداث وتوفير فرص عمل لقطاعات مختلفة من سوق العمل الأردني من شركات سياحة وسفر وفنادق وأدلاء للأماكن السياحية والدينية ومطاعم ووسائل نقل ومستشفيات ومختلف المهن المرتبطة بهذا المجال.
    في ظل هذه المعطيات، فإن سياسة ترويج السياحة الى المملكة يجب أن تتناول أكثر من محور، وعلى الشكل الآتي:
  • الاستمرار بدعم البرامج الهادفة إلى زيادة أعداد السياحة الوافدة والتركيز أكثر على استقطاب شرائح السياح ذوي الدخل المتوسط والعالي والمهتمين بما يقدمه الأردن من تجارب سياحية متميزة ومختلفة ولديهم الإمكانيات المالية والرغبة بإنفاقها على هذه التجربة الفريدة. لذلك فمن الضروري أن يتم تعديل برامج تشجيع وترويج السياحة لاستهداف هذه المجموعات تحديداً في مختلف الدول وتقديم حوافز ومبادرات مالية لناقلي هذه المجموعات لتخفيف تكاليف السفر وليس اقتصار هذه الحوافز والمبادرات على دعم الشركات منخفضة التكاليف حصريا التي تركز بشكل أساسي على الأفراد ذوي الدخل المتدني (دون المجموعات السياحية).
  • تشجيع السائح على زيادة معدل الإنفاق اليومي، من خلال ابتكار أنواع وبوابات مختلفة للإنفاق الطوعي، وكذلك زيادة معدل عدد الأيام التي يمضيها السائح في كل موقع سياحي أو منشأة في ربوع المملكة من خلال ابتكار برامج وفعاليات مختلفة حول جميع المواقع ولجميع الأعمار والأذواق.
    هناك شركات عالمية متخصصة في تنظيم وإدارة المناسبات والمواقع والمعارض (Events Creation and Management Companies) قامت بإنشاء وتطوير مواقع سياحية وترفيهية جاذبة لملايين الزوار سنوياً في الولايات المتحدة وفرنسا والصين وغيرها. يستطيع الأردن الاستعانة بالتشريعات والقوانين المعنية لاستثمار مواقعه التاريخية والأثرية التي لا مثيل لها وبالائتلاف مع هذه الشركات لإدارة وصيانة هذه المواقع بأعلى مستويات السلامة والكفاءة والالتزام بمعايير بيئية عالمية ومعدلات تشغيل عالية للعمالة المحلية، ومن ثم إقامة منشآت ترفيهية وفعاليات ثقافية متنوعة داخل هذه المواقع وحولها من أسواق ومطاعم ومتنزهات ومسارح ودور موسيقى وغيرها من الفعاليات التي تناسب مختلف الأعمار والأذواق وتنسجم مع روح الموقع ذاته.
    بناءً على ما تقدم، يمكن للجهات الحكومية الحصول على إيراد مباشر للخزينة من خلال مشاريع الائتلاف مع هذه الشركات مع توفير نفقات إدارة هذه المواقع وصيانتها، ومن أمثلة ذلك ائتلاف مطار الملكة علياء الدولي؛ حيث تقوم الجهات المعنية بممارسة واجبها الرقابي على كل من المستثمر والمشغل لتحقيق أفضل مستوى من عمليات صيانة المواقع وإدامتها والمحافظة على البيئة وتأمين أعلى نسب توظيف للعمالة والمصالح المحلية والاستفادة المثلى من المشروع، ما يعود بالنفع أولاً وأخيراً على الوطن ويسهم في تخفيض نسب البطالة من خلال توفير فرص عمل لأعداد كبيرة من الشباب.
    أما فيما يتعلق بالسياحة العلاجية، فالأردن يتميز أيضاً بصروح طبية وعلاجية عريقة في القطاعين العام والخاص وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط، إضافةً الى الكفاءات الطبية المشهورة على مستوى العالم، إلا أن هذه السياحة تعاني من ضعف في تسويقها إقليمياً وعالمياً وعدم تنظيم إجراءات القدوم والاستقبال والإقامة والمعالجة داخلياً، مع إمكانية الاستغلال الفردي أو المؤسسي للمرضى ومرافقيهم، ما يترتب عليه ضياع فرص لاستقطاب أعداد إضافية من المستفيدين من هذه الخدمات المتميزة التي استثمر فيها الوطن كثيراً خلال العقود الماضية.
    من الممكن أيضا التحالف مع شركات عالمية مختصة بتنظيم الخدمات العلاجية على مستوى الدولة وبقطاعاتها الطبية المختلفة المهتمة بالمشاركة، لعرض باقة كاملة من الخدمات وبشكل محايد وشفاف من خلال بوابة واحدة. فمن خلال مكتب تنسيق في الدول المصدرة للراغبين بالاستفادة من الخدمات الطبية والعلاجية، أو من خلال منصة الكترونية، يتم إدخال التقارير الأولية عن الحالة المرضية للشخص المعني لإجراء التشخيص الأولي عن بعد لهذه الحالة مع طبيب معين حسب طلب المريض أو لعدد من المختصين المعتمدين. ويتم لاحقا تقييم الكلفة والمدة التقديرية للعلاج والمواعيد الممكنة المناسبة للمريض مع عرض خدمات إضافية من ترتيب حجوزات الطيران وعرض خيارات النقل الداخلي والإقامة للمرافقين وغيرها من الخدمات الأخرى التي يمكن الاستفادة منها.
    إن تسويق الأردن بهذا المجال بشكل أفضل سيعمل على تشجيع عدد أكبر من الراغبين بالاستفادة من هذه الخدمات على القدوم وإطالة مدة الإقامة بعد العلاج والاستمتاع بزيارة المواقع السياحية المختلفة، ما يعود بالنفع على عدد كبير من القطاعات المعنية سواء كإيرادات أو تشغيل.
    إن الاستعانة بهذه الشركات المتخصصة والاستفادة من خبراتهم الواسعة في مجالات تنظيم منتجات السياحة المختلفة قد أثبتت نجاحاً إقليمياً وعالمياً منقطع النظير كما هو الحال في دبي على سبيل المثال لا الحصر. وكما يقول المثل “أعطي الخبز لخبازه” من أجل تحقيق الأهداف المنشودة والمذكورة أعلاه من اجتذاب شرائح معينة من السياح قادرة وراغبة بالإنفاق، وبالتالي تحقيق معدلات أعلى من الإنفاق الفردي والطوعي لهذه الشرائح وتمديد مدة إقامتها من خلال البرامج والفعاليات الترفيهية والثقافية التي تجتذب العائلة على اختلاف فئاتها العمرية لقضاء إقامة قيمة وفريدة في ربوع الأردن.
  • الرئيس التنفيذي السابق للملكية الأردنية وطيران الخليج والسعودية الخليجية، ورئيس وعضو سابق لمجلس المحافظين في الـIATA
انتخابات 2020
27 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock