أفكار ومواقف

ما بعد الثورة الصناعية الرابعة

شهد العالم على نحو سريع ويحبس الأنفاس مجموعة من الأحداث والأزمات الكبرى، مثل الأزمة الإيرانية، والأزمة الصينية الأميركية، ثم وعلى نحو سريع ومفاجئ أيضا، شهدت الأزمات تبريدا وتهدئة، لم يحدث الهجوم العسكري المتوقع على إيران، ويقال إن ذلك القرار اتخذ في الدقائق العشر الأخيرة، وشهدت الأزمة مع الصين تفاهما إيجابيا، ورفع الحظر الأميركي عن شركة الاتصالات الصينية العملاقة هاواوي، بل وفي مشهد يشبه ما يحدث في هوليود (ونيت فليكس أيضا!) قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بزيارة تاريخية إلى كوريا الشمالية، وجرى لقاء بين الرئيسين الأميركي والكوري وصف في الجانبين بأنه إيجابي. هل تبدو أحداثا درامية مستمدة من الطبيعة الشخصية للرئيس الأميركي؟ أم هي أحداث تعكس تحولات وانتقالات مرتقبة وممكنة في المشهد العالمي والاقتصادي؟ أم هي ارتباكات التحولات السريعة والمفاجئة؟
يتشكل على نحو تلقائي سؤال مصحوب بقلق كبير عن المستقبل بعد كل حادث أو أزمة، لكن أسئلة المستقبل في السنوات الأخيرة صارت كثيرة ويومية، ففي موجات الحوسبة والروبتة والتشبيك وثورة الاتصالات وانترنت الأشياء كانت تجري تحولات وانهيارات اقتصادية ومالية كما تصعد أعمال وشركات وبلاد جديدة، وبالطبع سياسات جديدة.
الحديث عن “ما بعد الثورة الصناعية الرابعة” لا يعني نهايتها أو انحسارها لكنه يعني تطوراتها أو ما سيجري بعدها، وإن كانت أيضا تمر بأزمات كبيرة وعميقة. وربما كانت الأزمة مع شركة الاتصالات الصينية تعكس طبيعة التحولات والمستقبل الآخذ بالتشكل.
عرضت في مقالة سابقة الموجات الاقتصادية التسع التي لاحظها المفكر الاقتصادي المستقبلي جاك أتالي، وظلت فكرة عالقة؛ هل تتشكل موجة عاشرة؟ وبطبيعة الحال فإنه ليس سؤالا علميا أو تكنولوجيا لكنه اقتصادي سياسي، وتبدو الولايات المتحدة التي ظلت منذ العام 1890 هي الدولة الأولى في العالم اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا تواجه تحديات جديدة في قيادة العالم، وهي إن تكن مرشحة لتظل قائدة الاقتصاد والتكنولوجيا الجديدة في العقود القليلة القادمة، فإن الصين والهند يستعدان ليشاركاها في ذلك، وربما يتقدمان عليها.
لقد واجهت الإعياء نفسه والتحديات نفسها قبل أربعة عقود، وبدا أن اليابان تتفوق عليها، لكنها وفي سرعة استعادت المبادرة وامتلكت زمام الاقتصاد الجديد، وتفوقت على العالم بمراحل، وهي تبدو اليوم تدخل في دورة من الإعياء والتحدي، لكن يبدو أيضا ويا للمفاجأة أن العالم يريد أن تظل الولايات المتحدة قائدة العالم، فلا أحد يبدو مستعدا لذلك بدلا منها، وقد دخل العالم في مرحلة من الاعتماد المتبادل يجعل الولايات المتحدة أكبر من أن يدعها العالم تنهار أو تضعف، فهي قلب العالم وسيضعف العالم أو ينهار تبعا لحالتها، وما تزال تملك جاذبية حضارية لا تنافسها فيها دولة في العالم، في الحريات الفردية والاقتصادية والثقافية وأسلوب الحياة، كما أن مشاكل العالم وصلت إلى مرحلة من التعقيد والصعوبة ما يجعله (العالم) متمسكا بقيادة الولايات المتحدة، ودفعها لتظل ملتزمة تجاه العالم بالاستقرار والتنسيق .. وإن اقتضى ذلك الاستئثار والتنمر على العالم.
في أثناء العقود القليلة القادمة ستكون كل من شنغهاي وبومباي مدينتين عالميتين متفوقتين على لوس انجلوس، لكن الولايات المتحدة في تحولها الدرامي مع المكسيك تشي بأنها تسعى لتجديد ساحل المحيط الهادي لتدخل فيه المكسيك وتمنحه حيوية جديدة وتجتذب إليه طاقات علمية وعملية إضافية تجعله يحافظ على تفوقه.
لكن وحتى مع استمرار الولايات المتحدة في قيادة العالم ولوس انجلوس في قلبه فإن دولا كثيرة تتقدم، وأخرى تدير شأنها باتجاه التقدم والازدهار بتكاليف وموارد قليلة ومقدور عليها، ويأخذ العالم شكلا جيوسياسيا جديدا، لقد منح الاقتصاد الجديد (ما بعد الثورة الصناعية الرابعة) لجميع الأمم مهما كانت صغيرة أو فقيرة أن تتقدم وتشارك في العالم بفعالية وأن تكون جزءا منه يأخذ منه ويعطيه. وهذا ما يجب ان نلتفت إليه باهتمام عميق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock