آخر الأخبار حياتناحياتنا

ما بين هوس التجميل وخوف التقدم بالعمر.. كيف تتأثر المرأة نفسيا؟

ربى الرياحي

في عيد ميلادها الخامس والأربعين وبعد انتهاء الحفل الذي أقامته مع صديقاتها المقربات، وقفت نهلة بحيرة أمام مرآتها متساءلة عن العمر الذي مر سريعا من دون أن تشعر به، مسترجعة كل ما عاشته. أكثر من 26 عاما قضتها نهلة بين البيت والأولاد والواجبات اليومية، ضحت خلالها بأشياء كثيرة ربما كانت مصدر سعادتها، هي اختارت أن تركن أحلامها جانبا.

التقدم بالعمر يحمل لك هذه الإيجابيات

زواجها في سن مبكرة حرمها من إكمال دراستها وبرغم حبها للتعلم، إلا أن الأمومة كانت أولوية بالنسبة لها في ذلك الوقت. اليوم نهلة تحاول أن تستعيد شيئا من عمرها المسروق هي سعيدة بكل ما حققته سابقا، لكنها أيضا تريد أن تجد نفسها وتدللها وتعوض ما فاتها باحثة عن بعض التفاصيل التي تجعلها أكثر استمتاعا بالحياة وتصالحا مع كل التغيرات التي طرأت عليها سواء بالشكل أو حتى بالتفكير والنضج.

“العمر مجرد رقم”؛ ترددها النساء كثيرا منهن من تؤمن بها كحقيقة لذا تعيش الحياة بحب وشغف تحافظ على نفسها وتهتم بها حتى لا تكبر قبل الأوان. هؤلاء تحديدا ينظرن للعمر بعين الإنجاز والنجاح وتحقيق الأحلام يقسن أعمارهن بحجم الفرح في دواخلهن. وأخريات يبقين سجينات لمخاوفهن تقلقهن فكرة التقدم بالعمر وترهقهن ماديا ونفسيا، خوفهن من أن يكبرن ما يجعلهن في صراع دائم مع أنفسهن وحتى مع الزمن ظهور التجاعيد والوزن الزائد والهالات وخطوط الزمن والتغير في الملامح كل ذلك يضعهن في سباق مع الحياة لا يشعرن بالراحة أبدا وخاصة إذا كن تحت الأضواء وشخصيات مشهورة.

هنا الخوف بالنسبة لهن يكون مضاعفا، فالكثيرات يلجأن لعمليات التجميل حفاظا على شكلهن قبل أن تحفر سنوات العمر على ملامحهن، وهنالك أيضا من يتأثر بكلام المتنمرين ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي التي في جزء منها منبر للسخرية والانتقاد وإطلاق الشتائم والاتهامات.

وتعترف دينا عمران أنها وبمجرد وصولها أبواب الاربعين، بدأت تشعر بالقلق من أن تكبر خوفها من أن يتغير شكلها وتبدو عليها واضحة علامات التقدم بالعمر، جعلها حسب رأيها تصل حد الهوس فلم تعد هناك فكرة ترعبها أكثر من أن تفقد حيويتها وشبابها وخاصة أن الأيام تمضي مسرعة.

لذا تقبل دينا على شراء مستحضرات العناية بالبشرة، وذلك بمبالغ كبيرة لتظل محتفظة بنضارتها وأيضا بوزنها التي تتبع من أجله أقسى الحميات الغذائية ولا تمانع من إجراء عمليات التجميل، معتبرة ذلك حلا ينقذها من مخاوف كثيرة تستحوذ على تفكيرها طوال الوقت.

وتستغرب سارة جمال من ابنة خالتها التي تكبرها فقط بأشهر، تقول ما الذي يجعل الشخص يهمل نفسه وينسى أن يعيش؟ ولماذا يتخلى عن أبسط حقوقه وهو الاهتمام بنفسه من أجل أشياء أخرى يراها هي الأولوية فقط في حياته؟ هي شخصيا لا تجد مبررا يقنعها سوى أن بعض الأشخاص يختارون أن يلغوا أنفسهم تماما ويهملوها بحجة أنهم لا يجدون الوقت أو لأن الهموم نالت منهم، ولم تترك لهم الفرصة لكي يبحثوا عن سعادتهم.

وما يحزنها على ابنة خالتها أنها ما تزال صغيرة وبإمكانها أن تتغير وأن ترى الحياة بطريقة مختلفة تعيد إليها الإحساس بأنها تستحق أن تعيش عمرها لا أكثر ولا أقل. زيادة كبيرة بالوزن وشحوب في الوجه وارتداء ملابس ليست لعمرها كل ذلك الإهمال جعلها تكبر قبل الأوان، إضافة إلى كلامها المليء بالتشاؤم والسلبية وابتسامتها المنطفئة.

حاولت أن تنصحها وخاصة بعد أن سمعت أحد الأشخاص يناديها يا حجة، هذا الموقف دفعها لأن تصارحها بالخطأ الذي ترتكبه في حق نفسها لكن كل تلك النصائح لم تكن كافية لتغييرها.

وعن الخوف من العمر؛ ترى أسماء السعدي (44 عاما) أن الإنسان بإمكانه أن يعيش الحياة بقلب شاب مندفع يعرف جيدا كيف يستمتع بها وبإمكانه أيضا أن يعيشها كشخص هرم يائس لا يريد شيئا منها، وهذا من وجهة نظرها لا علاقة له بالسنوات كرقم.

وتبين أن الاهتمام يجب أن يكون متوازنا بين القلب والعقل والروح لتستطيع المرأة أن تحتفظ بشبابها لأطول وقت ممكن وذلك دون مبالغة من خلال ممارستها للرياضة والمحافظة على رشاقتها وتثقيف نفسها والعناية ببشرتها إضافة إلى التركيز على أحلامها وكيف تكون امرأة ناجحة على كل المستويات. وتشير السعدي إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت منصات لجلد الآخر والسخرية منه ومن شكله تحديدا.

وتذكر من ذلك المقارنات بين صور المشاهير في الماضي وصورهم اليوم وتحدث المقارنات أكثر على النساء دون الرجال أما هي فتخشى أن تكبر ليس فقط لأن شكلها سيتغير ما يخيفها أن تخونها صحتها وتصبح بحاجة للمساعدة حتى في أصغر الأمور.

وتبين الأخصائية النفسية الدكتورة عصمت حوسو أن الإنسان بشكل عام يشعر بالقلق من العمر، لكن مع تقدم العلم ووجود مساحيق التجميل وأيضا عمليات التجميل الموضوع أصبح أسهل لمن يريد، بأن يكون شكله مقبولا واثقا من نفسه ولديه الشعور بالرضا تجاه ذاته سواء المرأة أو الرجل فإن بإمكانهم اللجوء للطرق التجميلية وهذا لا يعني أن يبدو الشخص أصغر من عمره.

لكن المشكلة، وفق قولها، أحيانا في المبالغة في كون الشكل ملفتا للنظر ومستهجنا وخاصة إذا كان لا يتناسب مع عمر الشخص والتركيز هنا يكون أكثر على المرأة لأن المجتمعات بطبيعتها ذكورية والمرأة فيها دائما تحت المجهر. كما يكون التركيز أيضا على المشاهير، فضريبة الشهرة والنجاح أن تخضع هذه الشخصيات للانتقاد والسخرية والتنمر والإساءة لمجرد أنهم تحت الضوء، فإن لم يستطيعوا انتقادهم على الأداء لتميزهم، وجدوا في الشكل مادة دسمة سامحين لأنفسهم بالتطاول على كرامات الناس والنيل من مشاعرهم.

والتقدم بالعمر يحتاج من الشخص أن يتقبل نفسه ويتصالح مع حقيقة أن في كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان هناك تغيرات تظهر بشكل طبيعي سواء من الناحية النفسية أو الجسمية أو حتى الهرمونات تتغير فيه أشياء كثيرة من الداخل والخارج، وحتما هذا كله يتضح في ملامحه إضافة إلى الهموم التي قد تزيد الإنسان عمرا فوق عمره رغم صغر سنه.

وتنصح حوسو بأن يهتم الإنسان بجماله الداخلي والخارجي معا وأن يفعل كل الأشياء التي تشعره بالثقة والرضا عن نفسه دون أن يهتم بكلام الناس وانتقاداتهم، ومهم جدا أن يراعي معايير القبول الاجتماعي حتى يعيش حياة نفسية متوازنة قدر الإمكان.

“العمر مُجرّد رقم” مقولة تجدها الخبيرة في علم الاجتماع الدكتورة فاديا الإبراهيم، خاطئة، فالعمر سنوات قد تكون طويلة أو قصيرة تحمل عددا لا يمكن حصره من الخبرات والأفكار والمشاعر والأحاسيس والفرح والحزن، العمر صحة وطاقة وشغف ينقص أو يقل مع مرور الزمن، ويجب أن نعترف وبكل موضوعية ودون خجل أن التقدم بالعمر “يقلل من قوتنا الجسدية والنفسية”. كل هذا طبيعي وواقعي جداً وهذه هي دورة حياة الإنسان الحقيقية التي يبدأها طفلاً ثم شاباً وأخيراً كهلاً كل مرحلة من هذه المراحل لها شكلها وخصائصها وميزاتها يمر بها الأشخاص.

التقدم بالعمر يحتاج إلى اهتمام أكبر من قبل الشخص وذويه ومن قبل الدولة والمجتمع، فتوفير الرعاية الصحية والدعم النفسي والتشجيع على المشاركة والتفاعل داخل المجتمع أمر ضروري يجب أن لا نغفل عنه.

أما فكرة الوصم الاجتماعي لمجرد التقدم بالسن وتغير الشكل أمر خاطئ جداً، خصوصاً الوصم الخاص بالنساء ومسألة المقارنة بين السنوات السابقة للشخص ووضعه أو شكله الحالي مسألة في غاية الجهل وعدم المنطق والإنسانية، وفق الابراهيم.

فالتقدم بالعمر ليس خيارا شخصيا، والوصم الاجتماعي الخاص بالشكل الخارجي غالباً ما ارتبط عبر العصور بالمرأة وكأنها فقط شكل جميل مع تغييب أهمية عقلها وخبراتها ودورها في الحياة، فما زال المجتمع يستغرب من فكرة امرأة كانت في السابق جميلة وطغت على ملامحها علامات الكبر، خصوصاً إذا كانت معروفة أو مشهورة فتبدأ المقارنات بين صورها في الماضي والحاضر.

ووفق الابراهيم، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت تبادل وعرض الصور والآراء بهذا النوع من المقارنات الذي لا يحمل أي جانب منطقي أو إنساني، كما تضطر الكثير من السيدات إلى اللجوء إلى عمليات التجميل واستعمال المنتجات التجميلية التي قد تكلفها وقتها وصحتها ونقودها فقط لتثبت للمجتمع أنها ما زالت جميلة، متسائلة: لماذا نحصر الجمال فقط في الجسد أو الشكل بالرغم من أن رمزية وقيمة الجمال أكبر من ذلك بكثير.

لماذا نتجاهل الدور الجندري الذي قامت به غالبية النساء من مهامها كأم وزوجة وراعية للأسرة والعائلة لسنوات طويلة من التعب والنضال وخاصة إذا كانت هذه السيدة عاملة أيضاً وننظر إلى إنجازاتها فقط في الشكل، فنقول إنها “ما زالت جميلة أو إنها تقدمت بالعمر”؟ فنصنع عند النساء وكبار السن عامة عقدة العمر ويدخلن بحالة من اليأس والإحباط وعدم الرضا عن النفس فقط لأن العمر يتقدم؟

هذه الصورة النمطية المتعلقة بمراحل العمر في مجتمعاتنا يجب أن تتغير، بحسب الابراهيم، فما يجب فهمه وغرسه من قيم خاصة بالعمر يجب أن يرتبط بالفهم الحقيقي والعلمي للمراحل العمرية التي يمر بها الإنسان والعمل على تأمين احتياجاته العمرية والمرحلية كافة سواء كان طفلاً أم شاباً أم متقدماً بالعمر.

ومن الضروري والأهمية التركيز على المرحلة العمرية المتأخرة في مجتمعاتنا وضمان مشاركة كبار السن في جميع مجالات الحياة الاجتماعية من دون تقصير معهم أو تهميش لهم، وعلى الدول والحكومات ضمان اتخاذ كافة التدابير المساندة والداعمة لكبار السن وتأمين الرعاية الصحية الكاملة لهم وتوفير النشاطات المجتمعية مثل الأعمال الخيرية والتطوعية وإشراك كبار السن فيها ليبقى لديهم حس المشاركة والعطاء.

كما أن فكرة إقصاء هذه الفئة وتهميشها جريمة بحق المجتمعات قبل حق كبار السن أنفسهم بحجة أننا مجتمعات فتية وفئة الشباب هي الأكبر لذلك يجب التركيز على طاقتهم واستغلالها وصب كل الخطط والمشاريع التنموية للشباب وإقصاء فئة كبار السن وتجاهل فكرة العدالة الاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock