ترجمات

ما تريده تركيا من الصراع الروسي الأوكراني

تقرير خاص – (أحوال تركية) 14/11/2022

خلال زيارته الاخيرة إلى تركيا، حث الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، الرئيس رجب طيب أردوغان على إعطاء الضوء الأخضر لانضمام السويد وفنلندا إلى الحلف. وجادل بعض المراقبين بأن إحجام تركيا عن المصادقة على بروتوكولات انضمام دولتي الشمال الأوروبي يرجع إلى دعم تركيا لروسيا.

أما في الواقع، فإن موقف تركيا يأتي نتيجة لمخاوفها الأمنية. وهي تتوقع أن تسفر المذكرة الثلاثية التي تم الاتفاق عليها في حزيران (يونيو) بين فنلندا والسويد وتركيا عن إجراءات ملموسة من دولتي الشمال الأوروبي في حربها ضد الإرهاب الذي تعتبره تهديدا وجوديا، في حين أن المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو يعرفها على أنها أحد التهديدات الرئيسية التي يواجهها مواطنو دول الحلفاء.

منذ أن بدأت الحرب الروسية في أوكرانيا في شباط (فبراير) من هذا العام، كانت هناك علامة استفهام في بعض الدوائر الغربية حول موقف تركيا من الصراع المستمر في اوكرانيا. وفي العديد من النقاشات الدولية، لاحظتُ في بعض الأحيان أن هذه النقاشات أدت إلى تأكيدات غير مبررة ومضللة بشأن موقف تركيا من الصراع. إن تركيا هي، أولا وقبل كل شيء، عضو في حلف الناتو، وقد تم اتخاذ القرارات اللازمة منذ العام 2014 لتعزيز قدرة الحلف على الردع ودفاعه في مواجهة نمط السلوك العدواني الروسي، بمشاركة من تركيا، بما في ذلك تلك التي تم تبنيها في قمة مدريد في حزيران (يونيو) من هذا العام. وقد يلقي تحليل بعض السمات البارزة للسياسة التركية منذ العام 2014 بعض الضوء على المناقشات الجارية حول موقف تركيا.

لقد أعلنت تركيا دعمها الثابت لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية من خلال سياسة عدم الاعتراف بالضم غير المشروع وغير القانوني لشبه جزيرة القرم. كما شاركت أيضًا في “منصة القرم” الدولية منذ إنشائها وقدمت دعمًا قويًا لهذه المبادرة.

وسلطت تركيا الضوء أيضًا على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها روسيا ضد السكان الذين يعيشون في شبه الجزيرة، بما في ذلك الأقلية الأصلية: تتار القرم.

مع ذلك، كان البلدان قادرين على التعامل مع بعضهما البعض على أسس معاهدة الصداقة وعدم الاعتداء، الموقعة في العام 1925. وفي العام 1945، أرادت روسيا السوفياتية إعادة التفاوض على هذه المعاهدة مع “اتفاقية مونترو” التي اعترفت بالسيادة التركية على المضائق التركية، بما في ذلك الحق في تنظيم الحركة البحرية عبر تلك المضائق.

وشكل المضيقان السبب الرئيسي للخلاف في علاقات روسيا مع تركيا، وأدت هذه القضية، جنبًا إلى جنب مع مطالبات روسيا الإقليمية ببعض المحافظات في الجزء الشرقي من تركيا، إلى إجبار تركيا على تسريع جهودها لتكون جزءًا من أسرة دول الغرب. وقد توجت هذه الجهود بانضمام تركيا إلى مجلس أوروبا كعضو مؤسس في العام 1949، ثم انضمامها إلى حلف الناتو في العام 1952.

على الرغم من عدم وجود العديد من الخيارات لضمان الأمن في مواجهة الإنذارات والمطالب الإقليمية لستالين، لا يمكن للمرء أن يتجاهل أهمية اختيار تركيا المتعمد أن تكون جزءا من الديمقراطيات الغربية بدلاً من الانضمام إلى الأنظمة الاستبدادية في ذلك الوقت.

بعد الحرب العالمية الثانية، تأثرت علاقة تركيا بروسيا، في الدرجة الأولى بالتنافس في الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من قرار تركيا الاستراتيجي بالمشاركة في المؤسسات الغربية، فقد جرت العلاقات التركية الروسية بروح من الاحترام المتبادل والتعاون. وحتى عندما كانت حكومات يمين الوسط في السلطة في تركيا في الستينيات، كانت روسيا شريكًا مهمًا استثمر بنشاط في مساعدة البنية التحتية لتركيا من خلال بناء مصانع الصلب والألمنيوم ومصفاة النفط.

واليوم، وعلى الرغم من أن العلاقات التركية الروسية قد تبدو معقدة للوهلة الأولى، إلا أن هناك نمطًا واضحًا يحكمها ويعود إلى عقود من الزمن.

كانت هذه العلاقات الثنائية مدفوعة بالتقاسم الدقيق للمصالح مع وجود التباينات الاستراتيجية. وقد تطورت ثقافة المشاركة الهادفة على مر السنين، حيث كان كلا البلدين قادرين على “الاتفاق على الاختلاف” حول عدد من الموضوعات الحاسمة.

ويتضح ذلك في مجموعة واسعة من القضايا الأخيرة، من ليبيا وسورية وناغورنو كاراباخ، إلى الاحتلال الروسي وغزو أوكرانيا، حيث يقفان غالبًا على طرفي نقيض.

ليست روسيا مجرد جار في الشمال على البحر الأسود، وإنما هي كذلك في الجنوب أيضًا. ونحن نرى تعاونًا انتقائيًا ومحدودًا بين الدولتين حيث يتماشى ذلك مع مصالحهما، جنبًا إلى جنب مع التعاون التنافسي حيث تظل المصالح الاستراتيجية متناقضة في الصورة الأوسع.

في بعض الأحيان، جرى اختراق نمط التعاون التنافسي من خلال “الانحرافات المنهجية السياسية والعسكرية”، مثل إسقاط مقاتلة روسية من قبل الدوريات الجوية القتالية التركية في العام 2015، أو مقتل أكثر من 30 جنديًا تركيًا في إدلب على يد القوات الروسية والسورية.

وعلى الرغم من أن بعض الحوادث شكلت أسبابًا كافية لتوتر العلاقات، إلا أن تركيا وروسيا تمكنتا من إظهار عودة مثيرة للإعجاب لتلك العلاقات، ولقدرتهما على استعادة العلاقات بعد الانتكاسات الخطيرة. وسرعان ما استندت تركيا إلى المواد ذات الصلة من “اتفاقية مونترو”، ولا سيما المادة 19، التي تحظر مرور السفن الحربية للأطراف المتحاربة عبر المضيق. وقد استمر الاشتباك رفيع المستوى على مستوى القيادة بين تركيا وروسيا في السنوات الأخيرة، فيما يرجع جزئيا للحاجة إلى تحدث الدولتين مع بعضهما البعض حول عدد من النزاعات التي تشاركان فيها في مناطق جغرافية مختلفة.

لكن ذلك عزز أيضًا شراكة استراتيجية مع أوكرانيا في السنوات الاثنتي عشر الماضية. وشملت هذه الشراكة مجالات مختلفة من التعاون، بما في ذلك التعاون المتبادل في مجال الدفاع. وتقدم تركيا طائرات من دون طيار لأوركرانيا منذ بداية الغزو. وكان هذا مفيدًا في إحداث تغيير نوعي في المجهود الحربي الأوكراني على الأرض، لدرجة أن العديد من الأطفال حديثي الولادة في أوكرانيا أُطلق عليهم اسم “بيرقدار”.

وأخيرًا، تشارك تركيا بنشاط في جهود التحديث التي تبذلها القوات البحرية الأوكرانية. وعلى الرغم من أن تركيا قد تبنت موقفًا داعمًا تجاه أوكرانيا -وهي مؤيد صريح لـ”سياسة الباب المفتوح” التي يتبعها الناتو للتوسع (والانضمام النهائي لكل من جورجيا وأوكرانيا)- فإنها تحاول أيضًا التصرف بطريقة متوازنة لأسباب جيوسياسية.

*نشر المقال أولًا في موقع “يوروب ليدرشيب”. ترجمه وحرره فريق “أحوال تركية”.

اقرأ المزيد : 

مشاكل القتال في الخريف الأوكراني‏

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock