أفكار ومواقف

ما عندك سالفة…

إذا كنت تحدث صديقا خليجيا، ونظر في وجهك وقال بلهجة هادئة أو حادة “ما عندك سالفة”، فاعلم أن الأمر جدي، وأن الحوار انتهى أو على وشك أن ينتهي. فالمقولة الخليجية هذه تعبر عن أن صاحبها لا يقتنع بما تقول، وهو ينقل إليك من خلالها مشاعر تتراوح بين التنبيه والرفض.
في بعض الحالات، يمكن أن يستطرد محدثك الخليجي فيردف قائلا “تقص علينا”. عندها عليك أن تعلم جيدا أن صاحبنا وصل مرحلة من الغضب والاستنكار؛ فهو يعتقد أنك أصبحت تؤلف أشياء لا أساس لها من الصحة، وتحاول استغفاله والاستهانة بقدرته على التمييز والتقدير والحكم.
يحصل هذا في الحديث بين الأصدقاء والشركاء، وفي الأعمال وكثير من التعاملات اليومية وعلاقات العمل، وحتى العلاقات الاجتماعية.
الثقافة العربية ما تزال تحافظ على قيمها التي ظلت المرجعية الأساسية للأحكام الأخلاقية على السلوك والأشخاص، مهما تعمقت تيارات التغريب وزاد الإقبال على الأخذ بمناهج البراغماتية والنفعية. ففي عالمنا الشرقي، ظل الصدق والأمانة أهم الصفات التي تكسب الأشخاص التقدير والاحترام والثقة والمكانة الاجتماعية. ويعتبر الكذب والفهلوة والتمثيل، صفات غير حميدة، تفقد صاحبها الاحترام، حتى وإن ساعدته على الكسب والنجاح الماديين. لهذه الاعتبارات، يحرص الأشخاص في جزيرة العرب على تجنب الخوض في الموضوعات التي لا يعرفون فيها أو لا تعنيهم، وتقتصر مشاركة غالبية الناس في الحياة العامة على الاستماع لأهل الحكمة والمعرفة والخبرة والاختصاص، وتبني آرائهم ومواقفهم واتجاهاتهم، الأمر الذي عطل ظهور الفردية، وعزز من مكانة الوجهاء والشيوخ والزعماء، وعلماء المذاهب والفتاوى فيها.
في عالمنا العربي اليوم، وبتزايد تأثير العولمة وتفاعل قيمها مع قيم ومعتقدات الثقافات المحلية، يختلط الحابل بالنابل؛ فهناك دعوات للدمقرطة وحقوق الإنسان يطلقها أشخاص وكيانات غير ديمقراطيين، وهناك دعوات للوحدة يتبناها انعزاليون. وفي محيطنا صراعات تفوق في عددها مجموع بؤر الصراع المنتشرة في العالم، مخلفة أعدادا من المقتلعين والمهجرين واللاجئين العرب، تربو عن أي أعداد سجلها التاريخ الحديث!
الأمة التي تبشر بالمثل العليا، ويعيد على مسامعنا زعماؤها وساستها وشيوخها، خطاب التآخي والوحدة والمصير المشترك، تقف عاجزة عن تقليع أشواكها وحل مشكلاتها، وتوظيف مواردها في تحسين مستوى معيشة أبنائها وأمن شعوبها. فقد انخرطت كياناتها في صراعات كان الإنسان العربي محورها وغايتها، واستعانت بكل القوى العالمية؛ شرقيها وغربيها، للاستقواء على الأشقاء، وأصبح إقليمنا أكثر أقاليم العالم استيرادا للسلاح وإنتاجا للموت والدمار.
أظن أننا بحاجة إلى قصة مقنعة وأهداف قابلة للتحقيق وسياق يجعل أهدافنا ممكنة، وإلا فإن أحدا ما قد يقول لنا: “ما عندكم سالفة”… ونأمل أن لا يتجرأ ويضيف: “بتقصوا علينا”.
مع أمنيات الخير لمساعي الأمة في عالم متغير.

انتخابات 2020
17 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock