أفكار ومواقف

ما معنى أن تصير الكتابة فعلا يوميا شاملا؟

“ما كتب حول النسبية جعلني غير قادر على فهمها” (ألبرت آينشتاين).
تأتي “كتب” في اللغة والقرآن الكريم بمعنى “حكم أو قرار نهائي”: “كتب ربكم على نفسه الرحمة” “ولقد كتبنا في الزبور”. وربما يكون في ثقافتنا وضمائرنا المعنى والشعور نفسهما نحو الكتابة والتعبير، كأنّ الكلمة المكتوبة يمكن أن تكون حكما نهائيا أو لعنة أو تعويذة نطلقها؛ فيصيبنا فزع من الكتابة حتى لو كانت شيئا ما على الجدران. والسلطة أيضا ترعبها الكلمة، ولسان حالها أن العالم سيكون أفضل من غير لغة، أو على الأقل من غير كتابة.
ندخل في مواقف معقدة على مستوى فردي ومؤسسي، حتى في العلاقات الدولية، بسبب كلمة تبدو لا تقدم ولا تؤخر. مجرد مزحة تبدو طريفة لمسؤول تطيح به من موقعه، برغم أنها يمكن أن تلطف الأجواء بدلا من أن تتحول إلى أزمة سياسية بين بلدين كبيرين!
لكن بالنسبة للكاتب، فإن الكتابة مهنة، مثل أن تكون نجارا تصنع الأبواب والأثاث. وليس أمرا متصلا بالوجود والأيديولوجيا أن تجعل الباب بـ”ظرفة” أو “ظرفتين”، طوله متران أو 190 سنتيمتراً. وكذلك انتقاد أو تأييد في مقال، أو إشارة أو تجاهل ونسيان؛ كلها وغيرها تبدو في نظر الكاتب مسائل تقنية يمكن إصلاحها أو نسيانها، لا تقدم ولا تؤخر شيئا، ولكنك (الكاتب) تُفاجأ بالوزن الكبير الذي يعطى لكلمة ما؛ إذا نسيت فلم تحط باسم شخص وأنت تعد الأسماء في مجال معين، قد يبدو ذلك مؤامرة أو معلومة خفية عن توجهات كبرى ومؤثرة في الدولة؛ مصادر وقوى تخطط أو تدبر أمرا ما. 
الفهم والتأويل يصنع عالما كبيرا معقدا، وكذلك النقد والتحليل يحول النصوص واللغة والإشارات الى منظومة جديدة أكبر من الأصل، بل إن الصاحب الأصلي للنص لا يعود يسيطر على العالم الجديد الذي تشكل حول النص.
ولا أريد بالطبع قول إن مبالغة الناس في التعامل مع الكتابة والتعبير خطأ بالمطلق، ولكن هذا المقال دعوة إلى التفكير في أبعاد ومتواليات الكتابة والتعبير والنشر، بعدما أصبحت تتداول على نطاق واسع، ويشارك فيها تقريبا كل إنسان! هل ستظل عملية خطيرة وكأنها فعل كوني يؤثر في الكون والحياة؟
يقال، وربما يكون صحيحا، أن مفسر الأحلام لا يمارس عملا محايدا، ولكنه بتأويله للحلم يقرر بشأن أصحاب الحلم ويحكم عليهم؛ لعله أقرب إلى القاضي الذي يستجيب الكون لقضائه. ويقال إن الفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف لم يريا في المنام شيئا، ولكنهما ألفا قصتين، وكان تأويل يوسف حكما عليهما حسبما ذكر كل واحد قصته. وربما يقال أيضا إنهما في اختيارهما للقصة كانا يستجيبان لفعل واع عميق يشبه الرؤيا، فما نراه في المنام يعكس يقظتنا، لأننا -كما يقول إريك فروم- نكون في المنام أكثر يقظة من اليقظة الواقعية. والحال أن التأويل من الصيرورة؛ فتأويل النصوص والآيات والأحاديث أو الطعام أو الحلم أو الأحداث والأخبار يجعلها تؤول إلى أمر.. آيلة إلى السقوط: توشك أن تسقط.
ونتجنب ذكر الأمراض والحالات بأسمائها؛ ربما شعورا أن الكلمة تحولها كما تسمى. فإن سميناها باسم نتأمله أو نتجنبه، تكون الحال كما سميناها، وهذا في أصل التصور هو من قدرة الله عز وجل “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون” فوجود الشيء أو حدوثه هو “كلمة”، والإنسان يرى الله مثال الكمال الذي يتبعه، كما أن الله خلق آدم على هيئته. وهذا نص في التوراة وحديث نبوي رواه البخاري.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock