أفكار ومواقف

ما نزال مستعمرين..!

علاء الدين أبو زينة

لعل أهم تعبير في الرياضة هو «الروح الرياضية». ويشير المفهوم إلى «التنافس في الرياضة (أو أي نشاط) مع إبقاء مبادئ الإنصاف، والأخلاقيات، والاحترام وحس الزمالة ماثلة في الذهن».

وبذلك، فإن غايات الرياضة والقوانين التي تحكمها ينبغي أن تكون النقيض النهائي للسياسة، القائمة كما هي على عدم الإنصاف، وتجاهل الأخلاق، ومنافسة الآخر، وعدم الاعتراف بالزمالة والمشتركات الإنسانية.

وفق القوانين الرياضية التي يتحدث عنها المركز الاستعماري (الذي لم يتوقف عن كونه كذلك)، لا يجوز إقحام السياسة في الرياضة.

ومن ذلك معاقبة الأندية واللاعبين الذين يصرحون بمواقف سياسية الطابع أثناء الأحداث الرياضية. لكن كل قوانين المركز مطاطة وقابلة للتكييف. كيف لا وصاحب الخطاب السائد حرٌّ في إعادة صياغته كما يريد؟

منذ بدء الحرب الروسية-الأوكرانية، نشاهد في الملاعب وعلى الشاشات التي تعرض المسابقات شعاراً مكتوباً يقول: «أوقفوا الغزو». إنه لا يقول «أوقفوا الحرب» كما كتب لاعبو فريق «لاتسيو» الإيطالي على قمصانهم، على أساس أن هناك حرباً تريد الرياضة أن تقول فيها كلمة خير فتطلب وقفها، وإنما يدين شعار «الغزو» طرفاً وينحاز إلى آخر صراحة.

وينسجم ذلك مع قرارات الاتحادات الرياضية بحرمان الفرق والرياضيين الروس من المشاركة في كافة المسابقات والألعاب في أوروبا، عقاباً على عدوان روسيا.

لا بأس من حيث المبدأ بمشاركة الرياضة في مقاطعة المعتدين الواضحين، إذا كان ذلك سيرفع العدوان ويضغط على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان وتحتل الآخرين.

لكنّ العيبَ يكون حين تكون هذه المشاركة انتقائية ومنافقة بوضوح. عند لحظة معينة، يقرر السياسيون أن للرياضة دخلا في كل شيء، ويجب أن تعبر عن موقف سياسي محدد سلفاً.

وكان ما حدث يوم أول من أمس لطخة عار أخرى على جبين الرياضة ومبادئها ودليلاً على تلوثها بالازدواجية والنفاق الصفيق، اتفاقاً مع لا أخلاقية أوروبا عندما يتعلق الأمر بوضع المعايير.

كان ما حدث هو إلغاء الاتحاد الأوروبي لكرة القدم المباراة المقررة بين منتخبي روسيا والكيان الصهيوني في 6 حزيران (يونيو) ضمن بطولة دوري الأمم الأوروبية.

وستُعتبر روسيا خاسرة لجميع مبارياتها وتحتل الترتيب الأخير تلقائياً. والمفارقة أن الطرف الثاني مع روسيا، ما تدعى «إسرائيل»، هي السباقة وصاحبة اليد الطولى في الغزو والاحتلال وكل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان.

وهي كيان احتلال بالتعريف الدولي الذي وافقت عليه أميركا وأوروبا الاستعمارية. ومع ذلك، لم يكن الكيان الصهيوني بكل مواصفاته يستحق أن تُقاطَع منتخباته ولاعبوه، ناهيك عن إخضاعه لعقوبات اقتصادية لإنهاء احتلاله –أو تسليح الفلسطينيين لمقاومته كما يحدث مع الأوكران.

بل إن دول أوروبا، مدعية الصلاح الذاتي وصاحبة المبادئ الليبرالية والتنوير وتحرير الإنسان، تستضيف فرق الكيان الاستعماري في دوراتها الرياضية ودورياتها، مع أنه لا يتواجد مكانياً في قارتها.

وهي محقة من ناحية استضافة أناس لا ينتمون إلى المنطقة تاريخاً ولا لغة ولا ثقافة وينسجمون معها عرقياً ولأنهم جزء من تكوينها الاستعماري نفسه.

لكنها تفعل ذلك نكاية بالعرب، وازدراءً لكل قيمة عليا أو إنسانية: نعم، دولة احتلال وتنتهك حقوق الإنسان وتغزو وتعتدي، لكننا أحرارٌ في ألا نقاطعها، ونحتضنها في «المجتمع الدولي» الذي نحن ممثلوه.

ولكن، لمَ نذهب بعيداً؟ ربما لا تعود أوروبا مضطرة قريباً إلى أن يلعب رياضيو الكيان عندها. البرَكة في بعض الدول العربية التي أصبحت تُشرك فرق الكيان في المسابقات الرياضية الإقليمية التي تُقام على أراضيها.

وبينما تعاقب أوروبا روسيا على توغل عسكري حديث زمانياً في أوكرانيا، لم يصل بعد إلى حد الاحتلال الراسخ، فإنها تعتبر احتلال الكيان الطويل لفلسطين من المسلمات والطبيعيات. ولِمَ لا تفعل وبعض العرب يفعلون؟

الرياضيون الحقيقيون، الذين يفهمون أخلاق الرياضة كجزء من قيم كونية قابلة للقياس، هم الرياضيون العرب الذين يرفضون اللعب مع ممثلي الكيان. وهم غالبية ساحقة حتى الآن ومن مختلف أنحاء الوطن الكبير. وهؤلاء هم المعيار.

أما ما حدث في مباراة روسيا والكيان، فليس مفاجئاً لأنه يعيد التأكيد فقط على الطبيعة المشوهة للقوى الكبرى الاستعمارية.

وينبغي أن يكون هذا سبباً جديداً للتخلص من أي أوهام بشأن العيب البنيوي في أوروبا وأيديولوجيتها وخطابها، والتأكيد على أننا ما نزال مستعمَرين، وأمامنا طريق طويل نحو التحرُّر.

المقال السابق للكاتب 

نحترف الحياة والمقاومة..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock