أفكار ومواقف

ما هو أخطر من كورونا

من المعروف أن الشدائد قد تُخرج من أنفس البشر أفضل أو أسوأ ما فيها من طبائع وسلوكيات، فهي تفضح بعض المكنونات التي يسهل إخفاؤها في أوقات السعة والرخاء. لكن ما يعتمل داخل النفس البشرية، يترجم حضوره في قلب الملمات والكوارث، التي تضخم فينا حبّ الأنا، وتدفعنا إلى الشعور بضرورة أن ننجو فرادى دون الآخرين، وأن نتصرف بشراسة، وعدوانية تجاه أي خطر محتمل قد نرى فيه تهديداً لسلامتنا الشخصية، أو المس بنا!
أورد هذا الكلام في ضوء ظاهرة التمييز العنصري المقيت التي تشهدها مختلف دول العالم في زمن جائحة فيروس الكورونا المستجد، والتي راقبنا عداءها وكراهيتها وبغضها لبعض الأعراق، والجنسيات التي ارتبطت بلادها بانتشار أوسع وأبكر لفيروس “كورونا”. وشملت هذه الظاهرة الاعتداء الجسدي واللفظي والتنمر على أصحاب الملامح الآسيوية، بحيث تعدّى وصفها بالحوادث الفردية، لتشكّل ظاهرة عالمية اجتاحت العالم جنباً إلى جنب مع فيروس كورونا، مما دفع بمنظمة الصحة العالمية للتحذير من خطر “عنصرية كورونا”، وتحول البشر إلى العنصرية والتنمر والتمييز ضد شعوب كان كل ذنبها أنها تعرضت لهجوم من فيروس كورونا. وكانت مئتا منظمة مجتمع مدني أميركية أصدرت بيانا موجها للكونجرس الأميركي، يحثه على اتخاذ إجراءات لمواجهة هذه الموجة الجديدة من العنصرية المستشرية ضد بشر يجتاح بلادهم وباء قاتل وخارج حدود السيطرة.
وفيما مضى، نذكر أن الوصمة التي رافقت ظهور مرض نقص المناعة المكتسبة (أيدز) قد تركت أثراً كبيراً في إحجام المصابين عن البوح بإصابتهم بالمرض وبالتالي تعريض سلامة الآخرين، وأقرب الناس إليهم، لخطر العدوى. بل وخبرنا محاولات البعض منهم للانتقام من المجتمع الذي نبذهم من خلال النقل المتعمد للعدوى، من باب “علي وعلى أعدائي”.
وفي بلدنا العزيز والغالي على قلوبنا، بدأنا نلمس ونراقب عن كثب ظاهرة مؤسفة من التنمّر الإلكتروني ضد بعض الأشخاص الذين أُعلن عن إصابتهم بفيروس كورونا، من خلال اختراق خصوصيتهم، ونشر معلوماتهم الخاصة، وصورهم، والتعليقات المسيئة التي تحمل القدح والذم والسخرية. والتي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي مما خلق موقفاً متأزما اتجاههم، وإساءة نفسية ومعنوية واجتماعية بالغة لهم ولعائلاتهم.
ولا شك أن العاملين في مجال الصحة والرعاية الطبية من ذوي الخبرة في هذا المجال يعلمون جيدا أن أحد أهم أسباب إحجام الناس عن إجراء الفحص الطبي والكشف المبكر عن الأمراض بما فيها الوبائيات هو خشية الوصمة التي سترافقهم وعائلاتهم، والتي ستطاردهم أينما ذهبوا، والتي ستؤدي إلى عزلهم والتمييز ضدهم. لذلك نجدهم يفضلون التستر على المرض، والتلكؤ في طلب العون الطبي معرّضين سلامتهم وسلامة من حولهم للخطر.
لا أظن أن أحداً سيكون متحمسا للخضوع للفحوصات الطبية بعد هذه الضجّة، التي ستؤدي إلى سوء تقدير حجم المشكلة، إلى أن تظهر الحالات الأكثر حرجاً، والتي لن يكون بالإمكان التستّر عليها؛ لكنها ستسدل الستار على أضعاف من الحالات التي لم يتم الكشف عنها.
لا يساورني الشك أننا سنتجاوز قريبا هذه المحنة كما تجاوزنا غيرها وسيكون البشر أكثر خبرة وذكاء في التعامل معها لكن بعض الظواهر السلبية التي رافقتها ستترك ندوبها علينا ولسنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock