ترجمات

ما هي “القومية البيضاء”؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الخبير الاقتصادي – (الإيكونوميست) 14/8/2019
شملت الطفرة التي شهدتها الهجمات الإرهابية التي يشنها القوميون البيض في الولايات المتحدة هذا العام، المذبحتين في كرايستشيرش (51 قتيلاً) وإل باسو (22 قتيلاً). وكثيراً ما يستشهد القتلة بمخاوف من “استبدال” البيض ويستمدون الإلهام من فظائع مماثلة أخرى، خاصة قيام أندرس بريفيك في العام 2011 بقتل 77 شخصاً في أوسلو وجزيرة قريبة منها. ولكن، ما هي القومية البيضاء White Nationalism، ومن أين جاءت؟
من الصعب تعريف هذه الظاهرة بسبب انقساماتها الأيديولوجية والجغرافية. لكن القوميين البيض يريدون، بشكل عام، إقامة دولة عِرقية من البيض ولأجلهم. ويبذل البعض منهم قصارى جهدهم لتجنب الادعاء العلني بأن أي عرق آخر هو أقل شأناً، ويجادلون بأنه يجب أن يكون لكل جنس دولته العرقية. لكن الغالبية العظمى منهم يعتنقون فكرة التفوق الأبيض، ويعتقدون أيضاً بأن الأجناس تشكل تسلسلاً هرمياً معيارياً حيث يحتل البيض أعلى الهرم. وهم يطالبون بسياسات تتراوح بين وضع ضوابط أكثر صرامة على الهجرة والتطهير العرقي الشامل، أو حتى الإبادة الجماعية. وكل هذا يرتبط غالباً بالخوف من “إبادة جماعية للبيض” أو من “استبدال” البيض؛ أي فكرة أن “العرق الأبيض” يتعرض للإقصاء إلى أن يختفي من الوجود من خلال معدل المواليد المنخفض بين البيض، والزواج المختلط، والتكاثر الأكثر إنتاجية لدى الآخرين من غير البيض.
ظهرت القومية البيضاء الحديثة، التي انتشرت في جميع أنحاء العالم، لأول مرة في أميركا بعد الحرب الأهلية. فمع نهاية حقبة العبودية، اتخذت الولايات الأميركية إجراءات من أجل الحفاظ على المكانة المتميزة للبروتستانت الأميركيين من أصحاب التراث الأوروبي الغربي، بما في ذلك قوانين “جيم كرو” التي فرضت الفصل العنصري. ولجأ آخرون إلى العنف شبه العسكري وعمليات القتل والإعدام خارج القانون. ثم تزايد التركيز والتعلق بكون المرء أبيض مع زيادة الهجرة، خاصةً من الصينيين والإيرلنديين الكاثوليك والأوروبيين الجنوبيين واليهود. وتم سن قوانين جديدة للهجرة لتقييد عدد الوافدين الجدد. ومزج عمل ماديسون غرانت المعنون “نهاية الجنس العظيم”، الذي نُشر في العام 1916، بين المشاعر الوطنية المحلية وعلم تحسين النسل لإنتاج نظرية التفوق الأبيض و”الانتحار العرقي”. ويقال إن أدولف هتلر كتب لغرانت، وقال له إن الكتاب هو بمثابة “كتابه المقدس”.
على الرغم من فقدانها المصداقية بسبب الحرب على النازية، ثم فيما بعد بسبب نضالات الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات، عادت القومية البيضاء إلى الظهور في نهاية القرن العشرين، وهي عودة أفضت إلى شن عدد من الهجمات العنيفة في أميركا وأوروبا.
في العام 1988، كتب ديفيد لين “بيان الإبادة الجماعية للبيض”، معطياً اسماً جديداً لنظرية غرانت عن “الانتحار العرقي”. وقدم هذا النص للعالم صرخة تحشيد للقومية البيضاء: “يجب أن نؤمِّن وجود شعبنا ومستقبلاً للأطفال البيض”، وهي العبارة التي أطلق عليها القوميون البيض اختصاراً اسم “الكلمات الـ14”. وباستثناء اعتقاد جوهري بتفوق البيض، يختلف القوميون البيض اختلافاً كبيراً في وجهات نظرهم.
البعض منهم يتقاسمون الشكوك العميقة للحكومة الفيدرالية في مجموعات الميليشيات؛ ويحتضن البعض تاريخاً استعادياً تعديلياً للحرب الأهلية الأميركية، والذي يمجد الكونفدرالية؛ ويؤمن البعض بالمؤامرات المعادية للسامية حول السيطرة اليهودية العالمية، بما في ذلك النظرية القائلة إن النخبة اليهودية الدولية هي المسؤولة عن تشجيع الهجرة. وتحكي “يوميّات تيرنر”، The Turner Diaries وهي حكاية خيالية دستوبية قومية بيضاء نشرها ويليام لوثر بيرس العام 1978، قصة تمرد مسلح ضد الحكومة الفيدرالية يقوم به المدافعون عن الجنس الأبيض. وقد أثر الكتاب في كل من لين وتيموثي ماكفي، وهو من المحاربين القدامى المحبطين في الجيش وأحد المتحمسين لحقوق امتلاك السلاح، والذي نفذ تفجير أوكلاهوما سيتي الذي أسفر عن مقتل 168 شخصاً، في العام 1995.
تطورت القومية البيضاء بسرعة مع ظهور الإنترنت. والتقطت الخطاب المليء بالمفارقات من الزوايا المظلمة للفضاء السيبراني لنقل وجهات النظر السياسية بطريقة فكاهية لا تكشف أبداً عما إذا كان الكاتب جاداً أم هازلاً. ويسمح ذلك للقوميين البيض باستغلال غير المؤمنين، على طريقة “من أجل الضحك فقط”، لينشروا رسالتهم وإيصالها إلى جمهور أوسع. وفي الوقت نفسه، يعرب القوميون البيض في أوروبا عن كربهم من غزو إسلامي مفترض، خاصة بعد هجمات 11/9 وصعود الجهادية العالمية. وفي نظرية “الإحلال العظيم”، ادعى رينو كامو أن الفرنسيين الحقيقيين قد حل محلهم مهاجرون من إفريقيا والشرق الأوسط، بتشجيع من نخبة “استبدالية”. كما قام القوميون البيض الأميركيون بإدراج المسلمين ضمن تصنيفهم للأجناس الغازية، لكنهم يركزن في الغالب على اللاتينيين والسود واليهود.
يتهم منتقدو دونالد ترامب الرجل بأنه قومي أبيض. وهذا اتهام يتجاوز الأدلة. ومع ذلك، فإن كلماته تخدم حقاً غايات الأيديولوجية التفوقية. وعلى سبيل المثال، في العام 2017، وصف ترامب مسيرة “وحِّدوا اليمين” في شارلوتسفيل، فرجينيا، بأنها مجرد “أشخاص يحتجون بهدوء شديد على تمثال روبرت إي لي”، وهي طريقة لطيفة جداً ومثيرة للدهشة لوصف أناس أعلنوا أنفسهم على أنهم نازيون والذين يسيرون بمشاعل ويرددون هتاف “اليهود لن يحلوا محلنا”. وفي العام الماضي، قتل متطرفون يمينيون أشخاصاً في أميركا أكثر من أي عام آخر منذ 1995، وهو عام تفجير أوكلاهوما سيتي. وكان الغالبية العظمى من مرتكبي حوادث القتل من التفوقيين البيض. وهذا كله تهديد أخذته السلطات في الغرب باستخفاف شديد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: What is “White Nationalism”?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock