ترجمات

ما هي مبادرة الحزام والطريق.. نظرة عامة

تقرير – (معهد السياسة الأمنية والتنموية) تشرين الأول (أكتوبر)/ 2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

• مبادرة الحزام والطريق هي خطة طموحة بشكل لا يصدق، والتي تنطوي على إمكانية أعادة تشكيل التجارة العالمية.
• يهدف “الحزام” إلى ربط التجارة والإنتاج الصينيين بأوروبا عبر آسيا الوسطى.
• سوف يحسن “الطريق” التجارة البحرية الصينية عبر جنوب شرق آسيا والقرن الإفريقي وأوروبا.
• على الرغم من إصدار “خطة الرؤية والإجراءات” في العام 2015، فإن هناك جوانب عديدة في المشروع ما تزال غير واضحة.
• ستغطي هذه الخلفية التي أعدها معهد السياسة الأمنية والتنموية، والمقسمة إلى ثلاثة أقسام، أصول المبادرة، و”خطة الرؤية والإجراءات” التي صدرت في العام 2015، والقضايا الأمنية المحتملة.
أصول المبادرة
أعلن الرئيس شي جين بينغ هذه المبادرة لأول مرة في أيلول (سبتمبر) 2013. وعندما أعلن عن رؤيته، قارن شي بينغ “الحزام” بـ”طريق الحرير” التاريخي، الذي كان قد عزز قبل أكثر من 2.000 عام العلاقات الاقتصادية والسياسية التي غطت مسافات طويلة بين الحضارات الشرقية والوسطى والغربية. ولـ”الطريق” سلَف سابق في الطرق البحرية إلى المحيط الهندي خلال الفترة من العام 618 إلى العام 907م، التي كانت تربط “إمبراطورية تانغ” الصينية مع جنوب شرق أوروبا وجنوب غرب آسيا وشرق إفريقيا وشبه القارة الهندية.
تهدف الخطة المعاصرة إلى إنشاء كل من “حزام طريق الحرير الاقتصادي” -المكون من سكك حديدية وطرق تمر عبر آسيا الوسطى وإلى أوروبا، والتي يكملها “طريق الحرير البحري”-المكون من موانئ وخطوط شحن تربط بين دول جنوب شرق آسيا والبلدان التي تجاور المحيط الهندي الأوسع. ويشكّل كلا القسمين معاً “مبادرة الحزام والطريق” -وهي مشروع تجارة عالمي واسع النطاق، والذي يحتمل أن يشمل منطقة تضم أكثر من 65 دولة ويبلغ عدد سكانها مجتمعة 4.4 مليار نسمة.
باللغة الصينية، تُعرف “مبادرة الحزام والطريق” باسم “يي داي يي لو”، (التي تعني حرفياً “حزام واحد، طريق واحد”). وفي كثير من الأحيان، تشير التعليقات باللغة الإنجليزية إلى مبادرة الحزام والطريق باسمها السابق -“حزام واحد طريق واحد”، أو باختصارها “OBOR”. لكن هذه الخلفية ستستخدم مصطلح “مبادرة الحزام والطريق”، أو ببساطة “المبادرة”، لأن هذه هي المصطلحات الحالية المستخدمة في نص النسخة الإنجليزية لـ”خطة الرؤية والإجراءات” التي أصدرتها الحكومة الصينية في العام 2015. وقدمت القيادة الصينية المبادرة باعتبارها انطلاقة اقتصادية لتعزيز تطوير البنية التحتية، وتنسيق السياسات، وإزالة الحواجز أمام التجارة، وتشجيع التبادل الثقافي.
العوامل الاقتصادية
كانت العوامل الاقتصادية مصدر دفع كبيرا وراء المبادرة. ويمكن التخفيف من الطاقة الإنتاجية الحالية المفرطة التي يصعب تسويقها في قطاعات الصلب والبناء الصينية، من خلال مشاريع البنية التحتية الكبيرة التي تتطلبها المبادرة. وسوف تتعثر التنمية المحلية الصينية من دون الوصول إلى موارد مهمة للطاقة. وسوف تعمل المبادرة على توسيع وصول الصين إلى البنية التحتية للطاقة. وفي المقابل، ستساعد هذه النتائج الاقتصادية في تعزيز التنمية طويلة الأجل للصين وأهدافها المئوية.
حتى تضاعف الصين ناتجها المحلي الإجمالي للعام 2010 بحلول العام 2021، كان عليها أن تنتج معدلات نمو اقتصادي مرتفعة. وتشكل الفرص الاقتصادية التي سيتم إنشاؤها من خلال المبادرة في الواقع وسيلة للقيام بذلك. وتعمل المبادرة أيضًا كحزمة تحفيز اقتصادي للمقاطعات الصينية الغربية والوسطى. وقد شهدت هذه المناطق تفاوتاً سريعاً في الدخل. وتنظر بكين إلى التنمية كحل لمعالجة عدم المساواة في الدخل، وخاصة في المناطق المضطربة مثل شينجيانغ.
العوامل الجيوسياسية
ساعدت الحقائق الجيوسياسية أيضاً في تشكيل مبادرة الحزام والطريق. مع مرور الوقت، أصبحت الصين بلا شك أكثر نشاطًا على الساحة العالمية. وتمنح المبادرة الصين فرصة هائلة لتعزيز صورتها ومكانتها عن طريق تحمل مخاطر مالية كبيرة. وعلاوة على ذلك، فإن المشاريع الضخمة للبنية التحتية والاستثمارات الأجنبية الكبيرة التي ستتم في إطار المبادرة قد تمنح بكين صوتاً أكبر في الشؤون العالمية. وفي واقع الأمر، سوف تصبح الاقتصادات المجاورة أكثر ارتباطا بالصين ونهضتها. ومن حيث الاستراتيجية، لطالما شكل تأمين الوصول إلى السلع وموارد الطاقة مصدر قلق كبير للصين. وعلى سبيل المثال، في العام 2013، استوردت الصين 64.5 في المائة من نفطها الخام. وفي أوقات النزاع، يمكن أن يؤدي حصار بحري يُفرض عليها إلى تقييد التجارة بشدة من الصين وإليها. وقد تم بالفعل وضع نظرية لمثل هذه الاستراتيجية، وهي تناسب اتهامات الصين للولايات المتحدة بأنها “تشارك في ضرب طوق محكم على الصين…”.
باختصار، سوف تعمل طرق التجارة التي يتم فتحها من خلال المبادرة على التخفيف من وطأة أي حصار تجاري محتمل، في حين أن البنية التحتية للطاقة التي يتم بناؤها في اتجاه الغرب بدلاً من الشرق سوف تتجاوز -نظرياً- طوق الولايات المتحدة.
خطة الرؤية والإجراءات
بعد الكثير من التردد وعدم اليقين، قامت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، ووزارة الخارجية، ووزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية بإعلان “خطة الرؤية والإجراءات” للمبادرة في 28 آذار (مارس) 2015. وتؤكد الوثيقة على أنه بما أن العالم يتجه نحو التعددية القطبية والعولمة الاقتصادية والمزيد من التنوع الثقافي، فإن المبادرة سوف تشجع تطوير البنية التحتية والتعاون التجاري والمالي والتبادل الثقافي والعلمي. وتهدف “الممرات الاقتصادية” إلى دمج مناطق محددة، بينما ينبغي أن تساعد آليات للتعاون على تنفيذ المبادرة. وبذلك، يعني حجم ونطاق المبادرة أن الخطط ستظل قيد المراجعة المستمرة.
تطوير البنية التحتية
لإنشاء شبكة بنية تحتية متصلة، توضح “خطة الرؤية والإجراءات” أنه ينبغي ربط أقسام الطرق المنفصلة. وتحتاج آليات التنسيق إلى توحيد المعايير واختناقات النقل إلى التقليل. وقد جادل بنك التنمية الآسيوي بشكل متكرر بأن هذه الاختناقات أعاقت نمو التجارة في الصين.
وفيما يتعلق بتعزيز “طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، تشجع الخطة الدول على المشاركة والانخراط في بناء البنية التحتية للموانئ وتبادل تكنولوجيا المعلومات في مجال الخدمات اللوجستية لتعزيز التجارة “من ميناء إلى ميناء”. كما تم تسليط الضوء أيضاً على البنية التحتية للطاقة باعتبارها مجالًا مهماً للتعاون لضمان أمن خطوط أنابيب النفط والغاز. وتشمل فرص الاستثمار المتبادلة كلاً من الطاقة التقليدية والمصادر المختلفة للطاقة المتجددة. ويهدف بناء شبكات إمدادات الطاقة العابرة للحدود إلى زيادة أمن الطاقة في المنطقة بأكملها.
التعاون التجاري والمالي
يتم التأكيد على تعزيز مجالات التجارة الحرة، وتخفيض الحواجز غير الجمركية، وتحسين الشفافية وتوحيد عمليات التخليص الجمركي. وتشمل فرص الاستثمار المتبادل المحتملة مجالات مثل الزراعة والغابات وصيد الأسماك. وتدعو الخطة أيضاً إلى إزالة الحواجز الاستثمارية وتؤكد أن حماية حقوق الاستثمار ستزيد من تعزيز التعاون في مجال الاستثمار.
كما يتم دعم الاستثمار الثنائي ويُرحَّب بالبلدان للاستثمار في الشركات الصينية، في حين أن الشركات الصينية ستشارك في تطوير البنية التحتية في الخارج. وللحد من المخاوف من أن الشركات الصينية قد تستخدم العمالة والمواد الخاصة بها من دون تبادل العمليات والمعلومات التكنولوجية، تنص الوثيقة على أن المبادرة تخطط لزيادة “العمليات ذات الصبغة المحلية” و”العمالة المحلية”. وفيما يتعلق بالتمويل، يتم تشجيع الحكومات على شراء سندات الرنمينبي لتعزيز التعاون المالي واستخدام الرنمينبي من قبل الدول الأجنبية.
التبادل الثقافي والعلمي
سوف يسير التعاون يداً بيد مع التبادلات بين الثقافات مثل زيادة حجم السياحة وتشجيع الأنشطة الثقافية. وللمزيد من تعزيز تبادل الطلاب، أنشأت الصين أيضاً 10.000 منحة دراسية سيكون من شأنها تعزيز البحوث التعاونية. ولمواجهة التهديد الذي تشكله الأمراض العابرة للحدود، تسلط الوثيقة الضوء على تبادل المعلومات حول الأوبئة وتدريب الطواقم الطبية على مكافحة الأمراض المعدية الرئيسية معاً. وستقوم المختبرات والمعامل ومراكز البحوث والمؤسسات الفكرية بإقامة مشاريع بحثية مشتركة لتعزيز تبادل المعلومات.
آليات التعاون
تشير “خطة الرؤية والإجراءات” إلى آليات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف جديدة وحالية. وتشمل هذه المرجعيات والآليات:
• منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)
• (آسيان) + الصين (10+1)
• التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (APEC)
• حوار التعاون الآسيوي (ACD)
• مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (CICA)
• منتدى التعاون بين الدول العربية والصين (CASCF)
• الحوار الاستراتيجي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي (GCC)
قضايا الأمن أمن آسيا الوسطى
إذا اكتملت المبادرة، سوف يكون لها حضور واسع في آسيا الوسطى. وتواجه آسيا الوسطى، كمنطقة، مشاكل أمنية كبيرة، مثل أمن الحدود، والإسلاميين المتشددين، وتهريب المخدرات. وتاريخياً، كانت هناك علاقة متوترة بين بكين والانفصاليين اليوغور. ومن الأمثلة على ذلك التفجير الأخير للسفارة الصينية في قرغيزستان الذي نفذه انفصالي من اليوغور. وفي الوقت نفسه، ينسحب واحد من أعظم عوامل الاستقرار في آسيا الوسطى، الولايات المتحدة والقوة الدولية للمساعدة الأمنية (ISAF)، من أفغانستان. وتبدو توقعات المحللين لمستقبل أفغانستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان قاتمة. ومن دون تدخل خارجي، فإن هذه الدول غير مجهزة للتعامل مع التهديدات الإقليمية التي تنبع من أفغانستان. وتطرح هذه الحقائق أسئلة خطيرة على أمن مشاريع المبادرة.
علاوة على ذلك، تعاني منطقة آسيا الوسطى من مشاكل سياسية واقتصادية متوطنة. وفي واقع الأمر، يصنف مؤشر مدركات الفساد في منظمة الشفافية الدولية أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وتركمانستان وأفغانستان وقيرغيزستان على أنها بلدان “شديدة الفساد”، في حين حصلت روسيا وباكستان والهند ومنغوليا على تقديرات أقل بقليل. وبالنظر إلى هذا الواقع، ينبغي أن يظل المرء متشككًا فيما إذا كان من الممكن استيعاب نوع رأس المال المتأتي من مشاريع مبادرة “الحزام والطريق” في الاقتصادات المحلية.
الشركات المملوكة للدولة والفساد
تقوم الشركات الفاسدة وغير الفعالة المملوكة للدولة بمفاقمة مشاكل الأمن فحسب. وليست الشركات المملوكة للدولة كياناً واحداً في ذاتها، وإنما تمثل بدلاً من ذلك شركات متعددة ذات أحجام مختلفة وبمعايير وأهداف مختلفة. ولطالما كانت مسألة التنظيم ووضع اللوائح إشكالية، بل وأكثر إشكالية عندما تجري العمليات في الخارج.
في الواقع، “لم تضع الصين بعد نظامًا كاملاً من القوانين واللوائح للشركات لتنظيم سلوكها النظيف العادل أو الإفصاح فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي، وما يزال القائم من هذه اللوائح محدوداً ومجزأ”. ويقدم سجل الشركات الصينية المملوكة للدولة في إفريقيا مثالاً على هذه المشاكل. وبالإضافة إلى ذلك، تم الترويج لمبادرة الحزام والطريق على أنها حل لزيادة الطاقة الإنتاجية الصينية. وبشكل عام، كانت المشروعات الصينية المدفوعة بالعرض ضحية للإهدار وعدم الكفاءة وغياب المساءلة. ولهذه الأسباب، يبقى أن نرى ما إذا كانت المبادرة يمكن أن تتمكن من تجاوز هذه المشاكل. وفي الوقت نفسه، يجعل هيكل الشركات المملوكة للدولة هذه المخاوف أكثر حساسية. وعادةً ما تستورد الشركات المملوكة للدولة المواد والمعدات والعمالة الصينية. ويمكن للمرء أن يتصور بسهولة كيف سيكون هذا الترتيب مهيئاً لخلق التوترات ومشاعر الاستياء وعدم الثقة بين الشركات المملوكة للدولة والسكان المحليين. وعلى الرغم من أن “خطة الرؤية والإجراءات” تقترح ابتعاداً عن هذه الهيكلية، فإنه ما يزال علينا أن ننتظر ونرى. وعلى أي حال، ما تزال الشركات المملوكة للدولة خاضعة لتنظيم فضفاض فقط. وتمارس بكين سيطرة محدودة على الشركات المملوكة للدولة، ومن أجل أن تبقى عاملة وتنافسية، يجب أن تطبق الشركات المملوكة للدولة ممارسات تعظيم الربح.
الأمن البحري
يواجه “طريق الحرير البحري” مخاوفه ومكامن قلقه الأمنية الخاصة. ففي حين أن القرصنة أصبحت في الوقت الحالي في أدنى مستوياتها منذ العام 1995، فإن “طريق الحرير البحري” يمر عبر مناطق ما تزال تعتبر أكثر نقاط القرصنة الساخنة نشاطاً. وآثار القرصنة عديدة؛ فبالإضافة إلى تشكيل مخاطر على الأرواح البشرية، تفرض القرصنة تكلفة مالية من خلال زيادة أقساط التأمين وتؤدي إلى ارتفاع تكاليف البضائع على المستهلكين. وهذا يتناقض مع الأهداف التي يريد “طريق الحرير البحري” تحقيقها.
في الأعوام الأخيرة، كان هناك جهد متضافر ومنسق للحد من آثار القرصنة. وعلى سبيل المثال، شهد ساحل الصومال وخليج آردِن انخفاضات حادة في نشاط القراصنة. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن أي عملية قرصنة ناجحة واحدة ستكون كافية لإرباك هذه الجهود. وعلاوة على ذلك، فإن التدابير المكلفة للدفاع عن ممرات الشحن سوف ترقى إلى لاشيء فقط عندما تنتقل النقاط الساخنة للقرصنة. وإلى جانب كونهما أكثر الممرات التجارية ازدحاماً، فإن مضيق سنغافورة ومضيق ملقا (وهي أجزاء من طريق الحرير البحري) هما المركزان الحاليان للقرصنة. وسوف يجعل الحجم الكبير لحركة المرور التي تمر عبر هذه الطرق من السهل على القراصنة الاختلاط بحيث يصعب تمييزهم. ومن الناحية النظرية، سوف يكون ذلك أسهل أيضاً عندما يتم شحن المزيد من البضائع باستخدام طريق الحرير البحري.
يظل الأمن مصدر قلق بالغا وحاسما لنجاح مبادرة الحزام والطريق. ويطرح كلا الأمرين العديد من التحديات الأمنية المتعارضة في حين أن الشركات المملوكة للدولة ربما تزيد هذه المشكلات سوءا.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
The Belt and Road Initiative

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock