ترجمات

ما وراء الاستعمار الاستيطاني في فلسطين

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جون غي* – (تقرير واشنطن عن الشرق الأوسط) 24/7/2021
بينما يعترف عدد قليل من اليهود الإسرائيليين بشكل كامل بأنه كان هناك طرد جماعي للعرب الفلسطينيين من الأراضي التي تم ضمها في إسرائيل في العام 1948 ويمكنُ أن يقبلوا بحق العودة للفلسطينيين، فإن إسرائيل كدولة، وكذلك الأحزاب المهيمنة ومعظم الشعب الإسرائيلي، لا يفعلون. ويتشبث البعض بالأساطير القديمة عن فرار الفلسطينيين إما بناء على أوامر قادتهم، أو لإفساح المجال أمام غزو الجيوش العربية العازمة على قتل اليهود.
* * *
في عدد حزيران (يونيو)/ تموز (يوليو) من “تقرير واشنطن عن الشرق الأوسط”، كتبت عن كيف أن المسار الخاص لتطور إسرائيل، مع مثابرتها في التوسع الاستعماري وما يترتب على ذلك من نمو في قوة اليمين القومي، قد تعارض مع الاتجاه نحو التطبيع الذي تمكن رؤيته في المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية الأخرى.
في معظم المجتمعات التي بدأت كمستعمرات استيطانية، ينبغي الاعتراف بأن مصطلح “التطبيع” هو مفهوم وصفي لاتجاه يحدث داخل المجتمع الاستيطاني نفسه وللكيفية التي ينظر بها إليه الآخرون على الصعيد الدولي. وبالنسبة للشعوب الأصلية التي تمكنت من النجاة ويعيش أفرادها على جزء صغير من أراضي أجدادهم، أو على أراض أخرى مخصصة لهم، مع تقييد حقوقهم بوسائل مختلفة، فإن الشعور بالضياع والفقدان، والتدمير الثقافي، والمعاناة من التمييز في كثير من الحالات، تظل مستمرة وتشكل مصدراً لتغذية السعي إلى خلق “طبيعي” جديد أكثر عدلاً.
وحتى في المجتمعات التي أصبحت راسخة ونشأت كمستعمرات استيطانية، فإن هذا السعي إلى تحقيق العدالة الذي يبذله المحرومون والمضطهدون يمكن أن يسبب المخاوف لدى المستعمِرين، ربما بسبب الإدراك العميق لحقيقة أن الأخطاء قد ارتُكبت في الماضي والخوف من أن الإنصاف يمكن أن يشكل تهديدًا وجوديًا. فإذا تم الاعتراف بأن قطعة أرض واحدة، على سبيل المثال، تمت حيازتها بطريقة غير مشروعة بالقوة أو بالخداع ويجب إعادتها، فأين يمكن أن ينتهي المطاف بمطالب السكان الأصليين والامتيازات التي يريدونها من المجتمع المهيمن؟
لكن هذه المخاوف عادة ما تكون مبالغاً فيها ولا أساس لها من الصحة. على الصعيد العالمي، لم تسع الشعوب الأصلية عمومًا إلى تشريد أفراد المجتمع المهيمن وطردهم بالجملة، وإنما سعت إلى إقامة علاقة غير قمعية وخالية من الاضطهاد، تكون لدى هذه الشعوب فيها الوسائل لإعالة نفسها والحفاظ على هوياتها.
في الولايات المتحدة، دعت “حركة الهنود الأميركيين”، التي تأسست في العام 1968، حكومة الولايات المتحدة إلى احترام معاهداتها مع أمم الأميركيين الأصليين، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى استعادة الهنود بعض الأراضي واحترام حقوق معينة، ولكن ليس النزوح بالجملة للبقية من سكان الولايات المتحدة. وكانت مطالب الشعوب الأصلية في أستراليا وحوض الأمازون محدودة بالمثل. وفي جنوب إفريقيا التي كانت تحكمها الأقلية البيضاء، دعا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي إلى إنهاء الفصل العنصري، وإلى إقامة جنوب إفريقيا غير عنصرية، مع إجراء إصلاحات يكون من شأنها إعادة توزيع الأراضي وتعزيز العدالة الاجتماعية، لكنه لم يطالب بمصادرة أملاك السكان البيض أو طردهم من البلاد.
صنعت المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية التي أصبحت راسخة دولًا جديدة. في البداية، اعتبر المستوطنون الإنجليز الأوائل في أميركا الشمالية أنفسهم إنجليزًا، لكنّ أحفادهم أكدوا، بعد ما يزيد قليلاً على قرن ونصف، بفخر على استقلالهم كأميركيين. وبالمثل، قامت مجتمعات المستوطنين في دول مثل أستراليا وكندا والأرجنتين بتكوين هويات وطنية متميزة. وأصبح السكان الأصليون يأخذون هذا في الاعتبار: لقد أصبحت أوطانهم موطنًا لآخرين ولا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء بحيث تمكن إعادة كل شيء وكل الناس إلى مكانتهم وأماكنهم قبل الاستعمار.
وقد اتخذت معظم البلدان التي نشأت من مجتمعات استعمارية استيطانية خطوات -وإن كانت محدودة في العادة وفقط في الماضي القريب إلى حد ما- نحو الاعتراف بالأخطاء التي ارتُكبت بحق الشعوب الأصلية وقدمت نوعاً من التعويض. وعلى سبيل المثال، تخلت أستراليا عن سيطرتها على موقع أولورو المقدس وأعادته إلى سيطرة السكان الأصليين المحليين، وشكلت كندا “نونافوت: كمنطقة ذات أغلبية من السكان الإنويت الأصليين.
إسرائيل تشكل استثناءً
بينما يعترف عدد قليل من اليهود الإسرائيليين بشكل كامل بأنه كان هناك طرد جماعي للعرب الفلسطينيين من الأراضي التي تم ضمها في إسرائيل في العام 1948 ويمكنُ أن يقبلوا بحق العودة للفلسطينيين، فإن إسرائيل كدولة، وكذلك الأحزاب المهيمنة ومعظم الشعب الإسرائيلي، لا يفعلون. ويتشبث البعض بالأساطير القديمة عن فرار الفلسطينيين إما بناء على أوامر قادتهم، أو لإفساح المجال أمام غزو الجيوش العربية العازمة على قتل اليهود. ويعترف عدد متزايد من اليمين القومي بأن الفلسطينيين طُردوا قسراً في العام 1948، لكنهم يرون أن ذلك كان مبرراً تمامًا ويؤيدون “ترحيل” بقية الشعب الفلسطيني من وطنهم في يومنا هذا. ومع ذلك، ثمة إجماع واسع، عبر الطيف السياسي اليهودي الإسرائيلي بأكمله تقريبًا، على معارضة حق الفلسطينيين المنفيين في العودة إلى وطنهم.
يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت أشكال من السيطرة الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة -نقاط تفتيش للسيطرة على الحركة وتقييدها، ومعدلات عالية من الاعتقال، والسيطرة على الموارد، والقمع العنيف للاحتجاجات وأكثر من ذلك بكثير- بطريقة لا مثيل لها في أنظمة السيطرة على الشعوب الأصلية في أي دولة متقدمة أخرى اليوم. وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، تدهورت مكانة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، بعد تقدُّم محدود في التسعينيات.
في معظم المجتمعات ذات التوجه الاستعماري الاستيطاني، انتهت عمليات مصادرة أراضي السكان الأصليين واسعة النطاق منذ عقود، على الرغم من أنه لم يكن قد تبقى الكثير مما يمكن أخذه. وداخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، تشكل مصادرة الأراضي من الفلسطينيين عملية مستمرة تركتهم بلا شيء سوى جيوب متقلصة باطراد من الأراضي التي تفصل بينها شبكة من المستعمرات والطرق التي تخدمها.
يهاجم المدافعون عن الدولة الإسرائيلية حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) بسبب “تخصيص إسرائيل وإفرادها بشكل غير عادل”، لكن إسرائيل هي التي خصصت نفسها بنوعية سياساتها تجاه الفلسطينيين.
مع ذلك، نجح الاستعمار الصهيوني في إنشاء دولة إسرائيلية يهودية. وقد وُلد معظم اليهود الإسرائيليين ونشأوا في إسرائيل ولا يعرفون لأنفسهم موطنًا آخر. وهم متنوعون، لكنهم مع ذلك يشتركون في هوية مشتركة تتجاوز مجرد كونهم يهودًا، كما يدرك يهود البلدان الأخرى عندما يواجهونهم: إنهم بالفعل أعضاء في أمة أخرى.
وقد تصارع الفلسطينيون مع هذه الحقيقة لفترة طويلة. ويشعر البعض منهم بأن الاعتراف باليهود الإسرائيليين كأمة سيعني إضفاء الشرعية على مائة عام من التوسع الاستعماري الاستيطاني على حسابهم وقبول المساواة في المطالبات الوطنية. لكنهم توصلوا، مثل الشعوب الأصلية الأخرى، إلى قبول فكرة أن شكلاً من أشكال التعايش مع أولئك المنحدرين من المستوطنين أصبح ضرورياً لحل الصراع معهم.
وجاء البعض، ولا سيما في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ليروا قيام دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب كحل. ولكن منذ فشل “عملية سلام” أوسلو، ظهر دعم فلسطيني متزايد لدولة ديمقراطية واحدة غير طائفية في فلسطين التاريخية. والآن، يبقى على غالبية الإسرائيليين أن يرفضوا التفكير والممارسات الاستعمارية والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العيش بسلام وحرية، كأمة، في وطنه.

*John Gee: صحفي مستقل مقيم في سنغافورة، ومؤلف كتاب “الصراع غير المتكافئ: الفلسطينيون وإسرائيل”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Beyond Settler Colonialism in Palestine

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock