أفكار ومواقف

ما يترتَّب على الإعلان عن إفلاس ذرائع العدوان

اعترفت الحكومة الأميركيَّة في النهاية بأنَّه لا وجود لأسلحة الدمار الشامل في العراق، وأعلنت وقف البحث عنها. ولكن، بالمقابل، هل قدَّمت اعتذارها للعراقيّين عن غزوها لبلدهم، وتدميرها له، وقتلها عشرات الألوف من أبنائه، وجرحها أضعاف عدد هؤلاء، وزجّها ألوف الأحرار في سجونها التي انتشرت في مختلف أنحاء العراق؛ حيث عرَّضت الناس للتعذيب هناك بصورة بشعة وحطَّت من كرامتهم ومن إنسانيَّتهم؟! هل اعتذرت للعالم عن خرقها للقانون الدولي وخروجها على هيئة الأمم المتَّحدة بناء على ادِّعاءات ثبت أنَّها باطلة وأنَّه لا أساس لها؟!


 


ومعروف أنَّ سلسلة الأكاذيب التي ارتبطت بالغزو الأميركي للعراق طويلة وتتناسل باستمرار. ولعلّ من أبرز حلقاتها التي لا تزال الحكومة الأميركيَّة تحاول توظيفها حتَّى الآن هي كذبة الديمقراطيَّة التي تزعم أنَّها بصدد تحقيقها في العراق(مثلما حقَّقتها في أفغانستان طبعاً)، لتكون مثالاً يُحتذى في بقيَّة دول المنطقة. ولم يثنها عن الاستمرار في ترديد ادِّعاءاتها الجوفاء تلك ما تكشَّف من بشاعة انتهاكاتها لحقوق الإنسان في “أبو غريب” و”غوانتنامو”، أو ما ظهر الآن من حقيقة الديمقراطيَّة التي تريد تفصيلها للعراقيّين، أو بالأحرى تفصيل العراقيّين لها. وكذلك “الديمقراطيَّة” النموذجيَّة التي فرضتها على أفغانستان؛ حيث نصَّبت هناك(بصورة ديمقراطيَّة طبعاً) شخصاً أميركيّ الجنسيَّة، وهو كذلك موظَّف سابق(قبل شغله لوظيفته الحاليَّة مباشرة) في إحدى شركاتها. وتريد الآن(بالَّتي هي) أن تصل ب‍العمليَّة الديمقراطيَّة” في “العراق الجديد” إلى قرضاي آخر. ولشدَّة احترامها ل‍”العراق الجديد” ول‍”الديمقراطيَّة”، وضعت “سفارتها” و”سفيرها” ذا التاريخ “الديمقراطي” و”الإنساني” المعروف، في القصر الجمهوري في بغداد. وهذه إشارة جليَّة على مراعاتها لـ‍”الاستقلال” الذي منحته لمجموعتها العراقيَّة، أو ربَّما أنَّها فعلت ذلك لتحمي مجموعتها تلك من الفأل السيِّئ الذي قد يلمّ بها، فيما لو سمحت لها بالإقامة في القصر الجمهوري، وربَّما لأنَّها تستكثر عليها ذلك.. الله أعلم!


 


والانتصار لـ‍”الديمقراطيَّة” في العراق، لا يقتصر على الأميركيّين وحدهم، فهناك الآن حشد هائل من “الديمقراطيّين” العرب(أصحاب السوابق واللواحق “الديمقراطيَّة” المعروفة)، لا يكفُّ عن الهتاف للـ”الديمقراطيَّة” الأميركيَّة في العراق، مطالباً الجميع(في العراق وخارجه) بضرورة إنجاحها!


على أيَّة حال، لنترك “الديمقراطيَّة” و”الديمقراطيّين” جانباً، ولنعد إلى الإعلان الأميركي النهائي عن خلوّ العراق من أسلحة الدمار الشامل. فبناء على هذا الإعلان، يبرز السؤال بقوَّة عن الأعداد الضخمة من البشر الذين حوَّلهم “سوء الفهم والتقدير” الأميركي، إلى ضحايا. وعن الدمار الذي حلَّ بحياة الناس وممتلكاتهم، وما حلَّ بالبلاد من خراب شامل طال حتَّى الآثار التي تعود إلى ما قبل آلاف السنين والتي تعدّ كنوزاً إنسانيَّة مهمَّة. هل هذا كلّه بلا معنى ولا قيمة؛ بحيث تكتفي الحكومة الأميركيَّة بأن تقول أنَّها أخطأت التقدير. ثمَّ تمضي لحال سبيلها، أو بالأحرى تواصل انتهاكاتها واعتداءاتها؛ من دون أن تقول حتَّى كلمة آسف؟!


 


حسناً يفعل العراقيُّون الرافضون للاحتلال الذين بدأوا يتحدَّثون عن ضرورة المطالبة بالتعويض من الأميركيّين ومن جميع الدول التي شاركت في العدوان. وطلب وفد الفلوجة من هيئة الأمم المتَّحدة بأن تبادر لوضع الدراسات التي تبيِّن حجم ونوعيَّة الأضرار والخسائر العراقيَّة، من جراء الغزو الأميركي، إنَّما هو طلب مشروع، وسليم، وفي صلب الموضوع، ويجب التأكيد عليه باستمرار، ليس من قبل العراقيّين وحدهم، بل وأيضاً من قبل مختلف مؤسَّسات المجتمع المدني العربيَّة؛ بحيث يتوجَّه الجميع إلى مخاطبة الهيئات الدوليَّة المختلفة، ومختلف المؤسَّسات المدنيَّة، في جميع أنحاء العالم، طالبين مساندتها لحقّ العراقيّين في التعويض. ويجب أن يتحوَّل هذا المطلب إلى لازمة دائمة يردِّدها الجميع في كلّ المحافل والمنتديات وفي كلّ الأوقات، وبمناسبة ومن دون مناسبة، ومن خلال أيّ منبر متاح. وليس الهدف هو فقط التعويض على العراقيّين عن خسائرهم وتضحياتهم الهائلة، بل أكثر من ذلك، لجعل العدوان مكلفاً لأصحابه، ولتنوير الضحايا، أينما كانوا على هذه البسيطة المنكوبة بالغطرسة والجنون الإمبريالي، بحقوقهم، وبأنَّهم يجب أن لا يسكتوا على ما يقع عليهم من جرائم. وهي من جهة أخرى طريقة ممتازة، وذات مصداقيَّة هائلة، لفضح الممارسات الإمبرياليَّة العدوانيَّة.


 


لقد تمَّ العدوان على العراق خارج إطار الشرعيَّة الدوليَّة؛ لذلك فهو عدوان سافر ليس له ما يبرِّره؛ وحتَّى الحجج و”المبرِّرات” التي تذرَّع بها المعتدون، هاهي الآن قد تهاوت تماماً؛ بما في ذلك لديهم هم أنفسهم. ورغم ذلك فإنَّ المعتدين لا يزالون مستمرّين في عدوانهم حتَّى هذه اللحظة، ولا يزالون مستمرّين بأعمال القتل والنهب والتدمير وبسعيهم من أجل إعادة صياغة الدولة العراقيَّة على أسس كولونياليَّة.


 


على العالم أن يتوقَّف مليّاً عند الإعلان بإفلاس الحجج الأميركيَّة للعدوان، وأن يقول: كفى. ويطالب بإنصاف العراق والعراقيّين؛ وإلا فإنَّه هو بدوره يغامر بأن يجعل أخلاقه وقيمه وضميره إحدى ضحايا هذا العدوان الهمجي المبني على الأكاذيب.


E-mail: [email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock