أفكار ومواقفرأي في حياتنا

ما يحدث قبل أذان المغرب

ثلاثون يوماً كاملة تظلّ رائحة الفليفلة المقليّة تفوح من شاشات التلفزيونات العربية، مع ابتسامات مفرطة لطباخين محترفين، وهواة، ومتسابقين يضعون كل موهبتهم في تقطيع البقدونس بين أيدي المشاهدين!
لا أحد يفهم كيف هكذا تحوّل شهر الصوم عن الأكل إلى غرام وشغف هائلين ببرامج الطبخ ووصفات الأكل، من أقاصي المغرب العربي إلى السودان ومصر وجيبوتي إلى الأردن وفلسطين وباقي بلاد الشام، ربما أكثر من 100 برنامج طبخ، وحلويات، وأغذية صحية وغير صحية، هذا فضلاً عن صفحات الجرائد والمجلّات، وصفحات “فيسبوك” و”انستغرام” و”سناب شات” و”تويتر” و..و..و.. حتى كأنَّ العالم الإسلامي كلّه يتحوَّل برجاله ونسائه وأطفاله قبيل أذان المغرب إلى طبّاخين مَهَرة، بل إن أحد البرامج يستضيف مسؤولي دولة ورجال سياسة، وآخر يستضيف فنّانات وممثلين، كلّهم سعيدون ومنشرحون ويستفيضون في الحديث عن… عن اللاشيء، أو عن شيء يشبه ما أسماه عادل إمام مرّة “فوائد الخيار للجبنة”!
والطريف في هكذا برامج هو التسابق المحموم بين المقدّمين وبين المشاركين على تسمية طبخاتهم وصحون سلطتهم وشورباتهم بأسماء أجنبية، والإسراف في تلفيق أسماء مستحدثة للبهارات والخضار وحتى أنواع الخبز!
تشعر مقدمة البرنامج، أو مقدّمه، بالخجل والتخلّف إن هو قدّم طبخته أو وصفته بكلمات عربية واضحة، وعليه أن يستخدم كلمتين على الأقل أو ثلاثاً من غير العربية لوصف نوع من الخضار له اسمه المعروف عند أهلنا منذ ألف سنة. لكن “البريستيج” والحداثة والموضة لا تسمح للشيف أبداً أن يسمي المكوّنات بأسمائها الشعبية وإلّا أصبحت الأكلة مفهومة وبسيطةً وعاديةً و.. لا داعي لشرحها على التلفزيون!
كما أن من شروط هذه البرامج أن تخترع وصفات جديدة للأكل، لا تشبهنا، ولا تشبه مطابخ أمهاتنا وزوجاتنا، بل يجب أن تكون قريبة من المطبخ المكسيكي أو الإيطالي لكي يبدو صاحبها مسايراً العصر، ومواكباً أحدث صيحات المطابخ، لذلك لا يصحّ هنا أن نطبخ المجدّرة أو الباميا أو صينية الكفتة العادية غير المفلسفة، ولا ينفع أن نطبخ “رز بحليب” بسيطاً وبلا إضافات، لأنّ هذا سيذهب بوجاهة الشيف، وسيجعل خبراته العظيمة بلا قيمة!
وهكذا لا نعرف كيف تحوَّل شهر رمضان في الإعلام العربي كلّه، من دون أي استثناء، إلى شهر للأكل والمسلسلات، وربما يقول أحدهم في معرض تبرير ذلك إن الهدف هو التخفيف عن الصائم والترفيه عنه، لكن من قال إن الترفيه عن الجائع هو بعرض سفرة شهية أمام عينيه؟!
ومن قال إنّه مطلوب التخفيف عن الصائم بهذا الكمّ الهائل من المسلسلات المليئة بالعري وطاولات القمار وزجاجات المشروب وجرائم القتل والاغتصاب!
لستُ متشدداً وموقفي هنا ليس من المسلسلات نفسها، ولا من الدراما، لكن من كونها صارت تسمى “الدراما الرمضانية”. كيف صار ذلك لا أحد يفهم!
علينا أن نعترف بأن شهر رمضان المنذور للعبادة لم يعد له في الإعلام العربي أي علاقة بالعبادة. وإن ما يحدث على شاشة التلفزيون هو استخفاف بقيم رمضان ومعانيه، ومتاجرة به، حتى إن بعض المحطات التلفزيونية ترفع أذان المغرب تحت رعاية نوع من الشوربة!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock