ترجمات

ما يستطيع بايدن فعله لليبيا

بين فيشمان* – (نيوزلوكس) 26/3/2021

أدى الهدوء في العمليات العسكرية في ليبيا إلى السماح للأمم المتحدة بالتدخل وإعادة إطلاق العملية السياسية. وعلى الولايات المتحدة أن تكون حاضرة ومستعدة لأخذ زمام المبادرة إذا توقف التقدم في قضايا مثل تعزيز الحوار السياسي، وإجراء الانتخابات في الوقت المحدد، ومعالجة التجاوز العسكري الروسي المقلق.


أشارت المكالمة الهاتفية التي أجراها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين في 21 آذار (مارس) مع رئيس الوزراء الليبي المعين حديثاً، عبد الحميد الدبيبة، إلى عودة ظهور الولايات المتحدة في الجهود الرامية لمعالجة العملية الانتقالية المطولة والعنيفة في كثير من الأحيان في ليبيا -وهو خروجٌ مرحب به عن المسار الذي اتبعه الرئيس دونالد ترامب خلال سنوات حكمه.
الحوار السياسي الليبي
يمكن القول إن دعوة الرئيس الأميركي السابق للجنرال خليفة حفتر في نيسان (أبريل) 2019 أسهمت في اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت 18 شهراً وخلفت مئات القتلى، وجلبت الآلاف من المقاتلين من الخارج، وعمقت الاستقطاب في البلاد. وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الأميركية ساعدت لاحقاً على وقف القتال، إلا أن السبب الرئيسي وراء وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر) كان الإرهاق في صفوف الأطراف المتحاربة وداعميها من الخارج بعد أن طردت القوات المدعومة من تركيا تحالف حفتر من طرابلس. وأدى الهدوء في العمليات العسكرية إلى السماح للأمم المتحدة بالتدخل وإعادة إطلاق العملية السياسية. وفي كانون الثاني (يناير)، انعقد رسمياً “ملتقى الحوار السياسي الليبي” وأسفر في النهاية عن قيام “حكومة الوحدة الوطنية”، التي أدت اليمين الدستورية في 15 آذار (مارس). وكانت هذه عمليةً شاقة، وما يزال الطريق محفوفاً بمخاطر عديدة، ولكن للمرة الأولى منذ العام 2014، أُقيمت في ليبيا حكومة موحدة، وهو إنجاز لا ينبغي التقليل من شأنه.
انخراط الولايات المتحدة في ليبيا
يجب عدم اعتبار الانخراط الأميركي في ليبيا، على الأقل على مستوى رفيع، كما أشارت المكالمة الهاتفية للوزير بلينكن، أمراً مفروغاً منه. فقد شددت إدارة بايدن على أن أولويات سياستها الخارجية ستكون متجهة نحو آسيا وبعيداً عن الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التركيز المبكر على معالجة الأزمة في اليمن، وإعادة ضبط العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، وتطوير مقاربة لتجديد الدبلوماسية مع إيران، تشير إلى أن البيت الأبيض سيستمر في التركيز على بعض شؤون المنطقة على الأقل.
أين ليبيا من هذا كله؟ تشكل ليبيا تحدياً يتجاوز منطقة الشرق الأوسط ويجب أن يُنظر إليها على أنها أولوية أمنية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كما أن عدم الاستقرار المستمر في ليبيا يشكل تهديدات لأوروبا من خلال الهجرة والإرهاب. وقد اجتذبت الحرب الأهلية آلاف المقاتلين الأجانب، من بينهم مرتزقة من سورية والسودان. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لحلف الناتو هو وجود ما يقدر بنحو 2000 من مرتزقة “فاغنر” الروس، مجهزين بطائرات مقاتلة متقدمة تهدد الجناح الجنوبي لحلف الناتو. ويمنح الوضع فرصة مثالية لإدارة بايدن لإظهار كيف يمكن أن يساعد إنعاش التحالفات على الحفاظ على الاستقرار في منطقة ذات أهمية مشتركة للولايات المتحدة وأوروبا.
في إحاطة قدمتها سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس-غرينفيلد، إلى مجلس الأمن الدولي في 23 آذار (مارس)، حددت الأولويات الأميركية في ليبيا على أنها “الوحدة، والشفافية، والانتخابات الحرة والنزيهة”. وشددت على أن واشنطن تتوقع من “حكومة الوحدة الوطنية” أن تستخدم أموالها لتلبية احتياجات ليبيا بأكملها، وأن تكون شفافة (لا سيما بالنظر إلى أن اتهامات الفساد هي في صميم عملية تشكيل الحكومة)، وأن تحافظ على الجدول الزمني لانتخابات 24 كانون الأول (ديسمبر) الذي نص عليه “ملتقى الحوار السياسي الليبي” وأكده المرشحون، ومن بينهم رئيس الوزراء الدبيبة. وهذه معايير عالية، ولكنها ليست غير معقولة بالنسبة لحكومة مشكلة حديثاً تعمل في ظل نظام بيروقراطي معقّد لم يشهد إصلاحات هادفة منذ عهد القذافي. إلا أن هذا النظام سيتطلب دعماً نشطاً من الولايات المتحدة، يشمل تنسيق عمل حلفائها الأوروبيين وضمان استمرار تركيزهم ووحدة جهودهم. وليس من الضروري دائماً أن تجلس الولايات المتحدة على رأس الطاولة وتقود جميع المناقشات، ولكن يجب أن تكون حاضرة ومستعدة للتدخل في حالة تعرقل التقدم، على سبيل المثال إذا وصلت جهود الأمم المتحدة للتوسط في اتفاق حول الأساس الدستوري للانتخابات إلى طريق مسدود.
والخبر السار هو أن الدعم الفني الأميركي يجري على قدم وساق من خلال البرامج الهادفة لمساعدة “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات” في ليبيا. وتشارك الولايات المتحدة أيضاً في رئاسة مجموعة عمل دولية لتوحيد المؤسسة المالية الليبية بعد سنوات من وقف تعاملها معها. وسيكون تحويل نظام كان قائماً تاريخياً على الفساد إلى شفافية كاملة خلال المدى القصير لهذه الحكومة غير واقعي، ولذلك يجب على الولايات المتحدة مساعدة “حكومة الوحدة الوطنية” على تحديد أهداف متوسطة المدى لمراقبة الإنفاق في المجالات الرئيسية، مثل آلية الاستجابة لجائحة كورونا التي كانت تبذيرية في البداية ومليارات الدولارات اللازمة لمعالجة النقص الحاد في البنية التحتية في مجالات الرعاية الصحية والكهرباء والمياه.
الجهات الفاعلة الخارجية والتدخلات العسكرية
سيشكل الوضع الأمني مجالاً بالغ الأهمية، حيث يمكن للولايات المتحدة المساعدة فيه ويجب عليها القيام بذلك. وشدد الوزير بلينكين والسفيرة توماس-غرينفيلد على “وجوب قيام جميع الجهات الفاعلة الخارجية المشاركة في هذا الصراع بوقف تدخلها العسكري، واحترام اتفاق وقف إطلاق النار الليبي، والبدء في الانسحاب من ليبيا على الفور”. لكن الكلام عن إخراج روسيا أسهل من تنفيذه فعلياً. يجب على “القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا” أن تستأنف الكشف عن أنشطة مجموعة “فاغنر” في ليبيا، ويتعين على مخططي الدفاع في حلف الناتو الاستعداد للحالات الطارئة المتعلقة بتواجد عسكري روسي طويل الأمد في ليبيا، وعلى الولايات المتحدة أن توضح للدول المتدخلة في ليبيا من المنطقة وقف تمويل وجود “فاغنر” (والمرتزقة الآخرين) في ليبيا فضلاً عن انتهاكاتها المستمرة لحظر توريد الأسلحة. وجنباً إلى جنب مع الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، يجب على واشنطن الضغط أيضاً على تركيا لسحب مرتزقتها وقصر أنشطتها العسكرية على التدريباب الشرعية، مثل أعمالها المنقذة للحياة للتخلص من الذخائر المتفجرة.
وجه الكثيرون اللوم إلى حلف الناتو لتخليه عن ليبيا بعد التدخل في العام 2011 والمساهمة في الفوضى التي عمّت بعد الصراع. ولكن، مهما كان هذا التقييم معيباً -وأحد أسباب ذلك هو تجاهله للدور الليبي في العقد المنصرم- فإن لدى الولايات المتحدة اليوم فرصة لإعادة الانخراط من خلال تحالفاتها للمساعدة على إرساء الاستقرار في ليبيا ومنع التجاوزات الروسية المقلقة.

*زميل رفيع في معهد واشنطن، والمدير السابق لشؤون شمال إفريقيا والأردن في “مجلس الأمن القومي” الأميركي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock