أفكار ومواقف

ما يقترحه “مؤشر السعادة”..!

علاء الدين أبو زينة

يُفترض في «مؤشر السعادة العالمي» الذي تصدره الأمم المتحدة، لا أقل، أن يكون على درجة معقولة من المصداقية. إنه ليس ضربا من تنبؤات العرافين، وإنما يعتمد مجموعة من المعايير التي يمكن قياسها.

ولذلك، ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. إنه يوفر على الأقل، استطلاعا مجانيا للحكومات، يمكن أن تستدل به على سوية أدائها، وما الذي تفعل بالدولة التي تديرها، وما العلاقة التي يمكن تتوقعها مع مواطنيها.

في نهاية المطاف، وظيفة الدولة هي إدارة الموارد المادية والبشرية لتحقيق أقصى الممكن من الرفاه والاستقرار وأقل قدر من المتاعب لمواطنيها –السعادة، باختصار.

حسب الأدبيات عن «مؤشر السعادة»، فإن «الدول الأكثر سعادة غالبا ما تكون الدول الأكثر ثراء إلى مدى معين»، على قاعدة أن المال يشتري كل شيء.

لكن هناك عوامل أخرى تدخل في الحساب، مثل «الدخل الإضافي، والدعم الاجتماعي، ووضع الفساد، ومستوى الحرية التي يتمتع بها الأفراد».

وتحدد حصيلة كل هذه العوامل مدى شعور الأفراد بالسعادة والرضا في حياتهم. وبذلك، فإن ترتيبا متأخرا في «مؤشر» السعادة يعني أن الناس بلا مال، ولا دخل إضافي، ولا دعم اجتماعي ولا حرية، بينما الوفرة الوحيدة المتاحة هي الفساد.

بطبيعة الحال يمكن بسهولة تجاهل هذا المؤشر على أساس أنه غير دقيق، أو محبط. وقد يُعتبر هذا المؤشر «نقداً هداماً» غير واع أو سيئ النية، حتى لو أنه صادر عن هيئة دولية.

ولكن، ليس بالوسع تجاهل مشاعر الاستياء والقلق التي تساور الناس بحيث تظهر في الهواء. ولذلك ينبغي أن يكون المؤشر دعوة للوقوف أمام مرآة لا تعرض الخارج المزوق فقط، وإنما الداخل المعتم أيضا.

وسوف يحتاج هذا الوقوف إلى شجاعة مستحقة، ورغبة مخلصة في معالجة الأسباب من منطلق الواجب والوطنية.

على «مؤشر السعادة» لهذا العام، جاء الأردن ثانيا في «التعاسة» بعد لبنان في الدول العربية، وحل في المركز 134 عالمياً في مقدار السعادة بين 146 دولة (متراجعا من المركز 72 في العام 2013).

وينبغي أن تكون هذه الأرقام دعوة إلى التقليل عن امتداح المنجزات والتعمية على مواطن الفشل التي يمكن الإمساك بأسبابها.

وفي الحقيقة، يتحدث المختصون النفسيون عن معاناة واحد من كل أربعة مواطنين من الاكتئاب والقلق والحاجة إلى مساعدة طبية.

وإذا كانت أرقام مؤشر السعادة قريبة من الدقة، ستكون هذه النسبة متفائلة جدا، أو أنها تهمل الحزن الذي يتعايش معه أناس لم يصلوا بالضبط نقطة الأزمة.

صحيح أن الغنى بالموارد الطبيعية مهم ويحل الكثير من المشاكل. لكنّ أي مشروعات، من بسطة صغيرة على رصيف إلى شركة سيارات أو مصرف، ينبغي أن تدار لكي تربح وتزدهر وتوفر عيشا كريما للمعتمدين عليها.

وفي الأغلب الأعم، سوف يتحدد أداء المشاريع بطريقة الإدارة، من حيث الاستغلال الأمثل للموارد والعمالة والإمكانيات الفردية، وضبط المالية لتجنب الهدر والفساد، وابتكار المنتجات القابلة للتسويق، تعظيم انتماء الأفراد للمؤسسة بمراعاة حقوقهم وتقدير عملهم وتغطية حاجاتهم.

والدول في نهاية المطاف مشاريع، تكون ناجحة أو فاشلة بمعيار سوية معيشة مواطنيها وأين هم من الأمن المادي والاجتماعي واليقين أو عدمه.

ينبغي أن يطرح الترتيب على «مؤشر السعادة» السؤال المهم: هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ إذا كانت الإجابة بـ»نعم»، فهناك ما كان ينبغي عمله ولم يتم عمله –والذي يجب عمله الآن.

وسوف يكون الرضا حاضرا فقط إذا ساد الشعور بأنه تم عمل كل شيء ولم يكن بالإمكان أحسن مما كان. إنك لا تستطيع أن تلوم طالباً بذل كل ما يجب ولم يدخر جهداً أو وسيلة يمكن رصدها، ثم لم يكن من المتفوقين –أو حتى الناجحين. لكنك ستلومه على العكس.

والمقياس الصادق في الدول يكون لدى الهدف من كل شيء، المواطنين. إنهم هم أصحاب الحكم على الأداء والإشارة إلى ما رأوه يحدث خطأ بينما يعرفون البدائل.

وسوف يكون عدم الاستماع إليهم وهم يعلنون حكمهم بحرية، كتغذية راجعة حاسمة، سببا في بقاء العلل -فعدم الرضا وافتقاد السعادة.

وستكون طرق التخاطب المتبادل التفاعلي والتفاهمي مقطوعة، قطريا وعموديا، في ما لا يمكن أن يكون سوى رسوب متفاقم على أي مؤشرات للأمن أو السعادة.

المقال السابق للكاتب 

حالة الإعلام العربي السائد..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock