أفكار ومواقف

مبدأ التفريد العقابي في أمر الدفاع الثالث

صدر أمر الدفاع رقم (2) لسنة 2020 بمقتضى أحكام قانون الدفاع رقم (13) لسنة 1992، متضمناً “حظر تنقل الأشخاص وتجوالهم في جميع مناطق المملكة، وذلك ابتداء من الساعة السابعة صباحاً من يوم السبت الموافق 21/3/2020 وحتى إشعار آخر. ومعاقبة كل من يخالف أحكام أمر الدفاع والبلاغات الصادرة عن رئيس الوزراء ووزير الدفاع بمقتضاه، بالحبس الفوري مدة لا تزيد على سنة”.
وتطبيقا لهذا الأمر، تمّ ضبط عددٍ كبيرٍ من الأفراد ممن خالفوا أمر الدفاع الثاني بحظر التنقل والتجوال، إلا أنّ الممارسة العملية كشفت عن وجود صعوبات وإشكاليات في تطبيق العقوبة الواردة في أمر الدفاع الثاني، خاصة في ظل التوجه القضائي والإداري نحو إطلاق سراح نسبة كبيرة من النزلاء كإجراء احترازي لمواجهة وباء كورونا، بالإضافة إلى التشدد في العقوبة المفروضة وعدم طرح بدائل أخرى غير عقوبة الحبس.
إنّ المتضرر الأكبر من سن عقوبة غير متلائمة ومستوى الإثم الجنائي المرتكب من الأفراد والغلو في العقوبات المفروضة أحياناً وعدم انسجامها والظرف الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد وعدم القدرة بالنتيجة على تنفيذها أو وجود إشكاليات عملية في هذا التنفيذ، هو مبدأ سيادة القانون وهيبته أيضاً في نفوس الأفراد؛ الذين يجدون تراخياً في تطبيق العقوبة الواردة على الأفراد المخالفين واللجوء إلى وسائل أخرى مثل كتابة تعهدات بعدم تكرار الفعل أو خلاف ذلك من الوسائل التي قد تفتقد للسند القانونيّ ابتداء.
انطلاقاً مما سبق، جاء أمر الدفاع الثالث ليتدارك الإشكاليات القانونية والعملية ويشكل مخرجاً قانونياً للصعوبات التي اعترت تطبيق أمر الدفاع الثاني؛ حيث تمّ فرض عقوبة الغرامة لأول مرة مع وقف الملاحقة في حال قام المخالف بدفع الحدّ الأدنى من الغرامة خلال أسبوع من تاريخ وقوع المخالفة. وفي حال التكرار فرض أمر الدفاع عقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة أو دفع غرامة أو العقوبتين معاً.
وتعدّ العقوبة الواردة ابتداء والمتمثلة في الغرامة منسجمة ومتناغمة مع السياسية والتوجه العام في الدولة بالتقليل من الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل سواء بإخلاء سبيل الموقوفين أو المحكومين وفق معايير تم تحديدها، وترك أمر تفريد الجزاء أو العقوبة لقاضي الموضوع حتى في حالة التكرار واختيار العقوبة التي يراها متوافقة والفعل المرتكب من قبل الفرد بالنظر إلى الظروف المحيطة بفعل خرق حظر التجول. وتعدّ هذه العقوبات قابلةً للتطبيق على أرض الواقع.
خلاصة القول إنّ أمر الدفاع الثالث جاء مراعياً لمبدأ تفريد العقوبة، هذا المبدأ الأصولي الثابت في السياسة الجنائية العقابية، بما يضمن التناسب بين الفعل الجرمي والعقوبة المفروضة، وبصورة تكرس مبدأ التدرج في العقوبات وصولاً إلى تحقيق الردع العام والخاص.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock